نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هفوات النخبويين وسقطات الشعبويين: مأزق الثقافة السائدة واستدعاء القدوة البائدة, اليوم الاثنين 20 أبريل 2026 02:53 صباحاً
لم يكن «الصفح الجميل» في جوهره مجرد خيار أخلاقي أو زينة لغوية طرأت على ألسن الأدباء، بل هو تجل أصيل لصفة إلهية عليا من الرب «الرحمن الرحيم» الذي وسعت رحمته كل شيء، وأدب سماوي ركزته الرسالات السماوية قبل أن تلهج به ألسن الشعراء؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي أدب البشرية بقوله: {فاصفح الصفح الجميل}.
ومن هذا المعين الإلهي الصافي، استقى المصطفى ﷺ منهجه في التربية والإصلاح، وهو الذي قال في حديثه الجامع «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»، ليضع بذلك الحد الفاصل بين طبيعة البشر في الوقوع في الخطأ، وبين فضيلة الرجوع عنه. ومن وحي هذا الهدي الرباني والنبوي، صاغ شاعر النيل حافظ إبراهيم بيته الشهير الذي بات دستورا للتعامل الإنساني:
واصفحوا عن هنات من كان منكم
رب هاف هفا على غير عمد
تفكيك «الهفوة»: بين دلالة اللغة وانحراف الممارسة
تستوقفنا كلمة «هاف» في بيت حافظ إبراهيم بدلالتها اللغوية العميقة؛ ففي لسان العرب، الهفوة هي السقطة والزلة، وأصلها من «هفا الشيء» أي تحرك في الهواء كأنه ريشة لا تستقر، وهو ما يوحي بخفة الذنب وعدم ثباته في طبع صاحبه. أما «علما وعملا»، فالهفوة هي الخطأ الذي يقع فيه الحاذق نتيجة غفلة عارضة أو كبوة غير متوقعة، وليس نتيجة قصور في المهارة أو سوء في النية. لكن الإشكالية المعاصرة تكمن في تحول الهفوة من حركة عارضة لا تملك ثقلا، إلى فعل ثقيل ومخطط له؛ فالمثقف الذي يهفو اليوم، لا يفعل ذلك كـ»ريشة في مهب الغفلة»، بل كمن يلقي بحجر في بركة القيم الراكدة ليحدث ضجيجا، وهنا يفقد المصطلح براءته اللغوية ليصبح سقوطا يتطلب المكاشفة لا مجرد الصفح.
بين رقة «الصفح» ودقة «النقد»
إن الصفح الجميل في أصله هو عفو يترفع عن الملامة، يمنح لمن زلت قدمه وهو ينشد الصواب. غير أن الفارق الجوهري بين الهفوة وبين الخطيئة الممنهجة يكمن في بواعث النية ومقدار الوعي. فنحن اليوم نواجه سيلا من الأخطاء النخبوية والشعبوية التي ترتكب عن عمد، متلفعة بعباءة الحرية الزائفة أو التحديث الفوضوي، مما يجعل التغاضي عنها ليس من جميل الصفح في شيء، بل هو نوع من التخاذل الأخلاقي الذي يشرعن الخلل ويهدم النموذج والاقتداء في وعي الأجيال الصاعدة.
أمانة «البيان» وخيانة «الوجدان»
إن مسؤولية المثقف اليوم ليست كمسؤولية عامة الناس؛ فهي مسؤولية مضاعفة وتاريخية تفرضها مكانته كبوصلة للمجتمع في الملمات. فحين يخطئ الشخص العادي، يبقى أثر خطئه محدودا في دائرته الضيقة، أما المثقف فيرتكب «هناته» وهو يملك أدوات البيان وحجج البرهان، مما يحول الفعل من هفوة عابرة إلى خيانة صريحة للوعي. إن المثقف الذي يمالئ الفوضى أو يبرر السقطات المتعمدة سعيا وراء مكاسب آنية، إنما يساهم في تأسيس ثقافة «الانحطاط الممنهج» ويفقد المجتمع ميزانه القيمي الذي أمرنا شرعا وعقلا بصونه.
تيه المثقف بين «البرج العاجي» و«الضجيج الرقمي»
تتجلى مأساة النخبة المعاصرة في تمزقها المؤلم بين حدين متناقضين أفقداها التوازن؛ فمن جهة، نجد الانكفاء في الأبراج العاجية، الذي عزل المثقف عن نبض الواقع، فجاءت أفكاره متعالية ومنفصلة عن هموم الناس ومشاغلهم. ومن جهة أخرى، نجد اندفاعا مفرطا في الضجيج الرقمي، حيث سقط المثقف في فخ «التريند» وبحث عن التصفيق اللحظي في ساحات التواصل الاجتماعي. في هذا المناخ الصاخب، صار النخبوي يرتكب الهنات عن عمد رغبة في الحضور، ليتحول تدريجيا من منارة تبدد الظلمات إلى مجرد صدى يكرر فوضى الأصوات العالية.
لا مساومة على القيم الأخلاقية
إن الرد الحقيقي والمسؤول على واقعنا اليوم لا يكون بإلغاء قيمة الصفح، بل بوضعها في موضعها الصحيح تمثلا بصفات المولى عز وجل الذي يغفر الذنب ولكنه لا يرضى بالفساد، واقتداء بالهدي النبوي الذي يقرن الخطأ بصدق التوبة لا بإصرار التمادي. وهنا يجب التأكيد بوضوح؛ أنه من غير المقبول أبدا القبول بتبرير سقطات الشعبيين الفوضويين بحجة العاطفة والاندفاع، تماما كما أنه من المرفوض تماما التغاضي عن هنات النخبويين المثقفين بحجة الحداثة أو التأويل. لقد أدى الإسراف في التسامح مع هذين الفريقين إلى حالة من السيولة الفكرية، ولذا أصبح من الواجب التمييز بين هفوة إنسانية تستحق الصفح الجميل، وبين منهج تخريبي يستوجب الحزم والتقويم. فالمجتمع الذي لا يحاسب نخبته على هنات العمد ولا يضبط سقطات شعبييه، ينتهي به المطاف تائها في دروب التجهيل، بلا دليل يرشده ولا منارة تضيء له دروب المستقبل.
aabankhar@















0 تعليق