العلوم الإنسانية: تحديث الأدوات لا إقصاء الذوات

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العلوم الإنسانية: تحديث الأدوات لا إقصاء الذوات, اليوم الأحد 26 أبريل 2026 10:01 مساءً

لم يكن خبر إعادة هيكلة التخصصات في كبرى جامعاتنا، وعلى رأسها جامعة الملك سعود - التي رجعت في قرارها فيما بعد -، مجرد قرار إداري عابر، بل كان هزة فكرية أعادت طرح السؤال الأزلي الذي تناولته في مقالي السابق «هل انتهى عصر العلوم الإنسانية؟» وإذا كانت الضرورة تملي علينا اللحاق بركب التقنية وسوق العمل، فكيف نطبق ذلك دون أن نفقد الإنسان في هذا المسار؟ إنني اليوم أجد نفسي مدفوعا للاستمرار في النهج ذاته؛ ليس من باب الانكفاء على الماضي، بل إيمان بأن الضرورة التي تفرضها العلوم الإنسانية لا تقل أهمية عن التطبيق الذي ينشده سوق العمل.

إن الفكرة التي ما زلنا متمسكين بها، هي أن إلغاء تخصصات إنسانية بمسماها التقليدي لا يعني أبدا انتهاء صلاحية «المعرفة الإنسانية». إننا في مرحلة تاريخية تتطلب منا نقل هذه العلوم من «رفوف النظرية» إلى «ميدان التطبيق»؛ مع الالتزام الصارم بعدم التفريط في الثوابت والحفاظ على الهوية الوطنية. فالهوية ليست مجرد إرث نحفظه، بل هي البوصلة الأخلاقية والمعرفية التي تجعل جيل الرؤية يستخدم الذكاء الاصطناعي والتقنية بمسؤولية وطنية، لا بآلية صماء.

الضرورة ليست ترفا فكريا

العلوم الإنسانية من لغة، وتاريخ، وفلسفة، وعلم اجتماع، ليست مجرد مواد للحفظ أو «برستيج» أكاديمي. هي مختبر بناء الإنسان السعودي القادر على المنافسة عالميا مع البقاء متجذرا في أرضه. إن استمرارية الاهتمام بهذه العلوم تنبع من كونها الأداة الوحيدة لفهم السلوك البشري الذي يقود الاقتصاد والسياسة. التقدم التقني بلا عمق إنساني هو جسد بلا روح، ونحن لا نحتاج فقط إلى مبرمجين، بل إلى عقول إنسانية تفهم سياقات المجتمع لتوجه هذه التقنيات نحو بناء حضارة مستدامة.

التطبيق: مرونة الوسائل لا إقصاء الغايات

الفجوة التي نعيشها اليوم ليست في أهمية هذه العلوم، بل في طريقة تطبيقها. إننا بحاجة ماسة إلى مرونة عالية في التدريس والوسائل؛ فالتطبيق الحديث لا يعني دراسة التاريخ كوقائع جامدة، بل كأدوات لاستشراف المستقبل. لا يعني دراسة اللغة كقواعد نحوية فقط، بل كقوة ناعمة وأداة تواصل عالمية ومحتوى رقمي منافس. إن إعادة الهيكلة يجب أن تكون «ولادة» لمسارات بينية؛ حيث يلتقي علم الاجتماع بالبيانات الضخمة، والتاريخ بالتقنيات البصرية، واللغة بالذكاء الاصطناعي.

وهنا، تجدر الإشارة بالإشادة والتقدير إلى الرصد المنهجي الرصين الذي قدمه تقرير لومينا سباير مؤخرا، والذي تتبع بمهنية عالية صدى هذه القرارات في الفضاء العام. لقد كشف التقرير عن حجم التفاعل المجتمعي الهائل الذي تجاوز 17 مليون مشاهدة، مفككا صراع السرديات الناتج عن الفجوة بين طموح القرار الأكاديمي وبين التلقي المجتمعي له. ومع تأكيدنا على أن التقرير جاء كراصد لردود الفعل لا كصانع للقرار، إلا أنه وضع الإصبع على الجرح؛ حيث برز تساؤل جوهري: أما كان من الأجدى أن يفتح باب هذا النقاش الثري قبل صدور القرارات وليس بعدها؟ إن غياب الحوار الاستباقي هو ما ولد حالة التوجس، ولعل هذا الرصد العلمي يدفع نحو مرونة مؤسسية تجعل من المراجعة نضجا يضمن توازن كفاءة الإنفاق مع جوهر المعرفة بأسلوب عصري يخدم التنمية الوطنية.

نحو رؤية إنسانية للتطبيق

إن تحديث الأدوات هو السبيل الوحيد للحفاظ على الذوات. نحن لا نحتاج إلى خريج «إنسانيات» تقليدي يواجه البطالة، ولا إلى «تقني» يفتقر لعمق الهوية. نحتاج إلى تطبيق يدمج الجانبين بمرونة واقتدار. إن العلوم الإنسانية هي الروح، والعلوم التطبيقية هي الجسد؛ وبينهما تبنى الحضارات. فليكن توجهنا نحو أنسنة التخصصات التطبيقية، لضمان تخريج جيل مسلح بالمهارة، ومحصن بالهوية، وقادر على قيادة المستقبل دون أن يفقد ذاته.

أخبار ذات صلة

0 تعليق