الشرق الأوسط يتغير فهل يتغير لبنان؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الشرق الأوسط يتغير فهل يتغير لبنان؟, اليوم السبت 20 يونيو 2026 08:39 مساءً

لم يعد لبنان يقف اليوم على أعتاب تسوية سياسية عابرة بل أمام لحظة إقليمية قد تكون الأكثر تأثيرا منذ انتهاء الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف. فالتحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تفاهم أمريكي إيراني أو تهدئة مؤقتة بين خصمين تاريخيين بل باعتبارها بداية إعادة صياغة للخريطة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، على أسس مختلفة عما عرفته المنطقة طوال العقدين الماضيين.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز لبنان باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطا بنتائج المرحلة الجديدة. ليس لأنه كان محور المفاوضات أو مركز الاهتمام الدولي بل لأنه يمثل النموذج الأكثر وضوحا لتداخل الدولة مع النفوذ الإقليمي، ولتداخل التوازنات الداخلية مع الحسابات الخارجية. ولذلك فإن ما سيواجهه لبنان في المرحلة المقبلة يتجاوز بكثير مسألة تشكيل الحكومات أو انتخاب الرؤساء أو إدارة الأزمات الاقتصادية. إنه يتعلق بطبيعة الدولة نفسها وبموقعها داخل النظام الإقليمي الذي يتشكل أمام أعين الجميع.

لقد اعتادت النخب اللبنانية خلال العقود الماضية النظر إلى كل تحول إقليمي باعتباره فرصة لتحسين شروط التفاوض الداخلي أو تعديل موازين القوى المحلية، غير أن المرحلة الراهنة مختلفة في جوهرها؛ فالقوى الدولية والإقليمية لم تعد تبحث عن إدارة الأزمات كما كانت تفعل سابقا بل تتجه نحو بناء منظومة استقرار جديدة قائمة على تقليص مساحات الاشتباك المباشر وتثبيت قواعد أكثر صلابة للأمن الإقليمي. ومن هنا فإن لبنان لم يعد ساحة مفتوحة بالمعنى التقليدي الذي عرفه طوال سنوات بل بات مرشحا لأن يصبح جزءا من منظومة استقرار أوسع تتطلب وجود دولة قادرة على تحمل مسؤولياتها.

واللافت أن التحول الأهم لا يكمن في مضمون الاتفاقات بقدر ما يكمن في الفلسفة السياسية التي تقف خلفها. فخلال سنوات طويلة كان لبنان يدار عمليا من خلال توازنات القوى الإقليمية وكان كل استحقاق داخلي ينتظر توافقا خارجيا يحدد اتجاهه. أما اليوم فإن الاتجاه العام يبدو مختلفا. فهناك إصرار متزايد على أن يكون التعامل مع لبنان من خلال مؤسساته الرسمية وأن تصبح الدولة اللبنانية المرجعية الأساسية لأي ترتيبات سياسية أو أمنية أو اقتصادية مقبلة.

ومن هنا تكتسب مسألة الفصل بين الدولة والنفوذ أهمية استثنائية. فإيران التي سعت طويلا إلى ربط الساحات الإقليمية بعضها ببعض تدرك أن المرحلة الجديدة تفرض مقاربات أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. والولايات المتحدة التي أمضت سنوات في سياسة الضغوط القصوى باتت أكثر اهتماما بإنتاج استقرار مستدام من اهتمامها بإدارة صراعات مفتوحة لا نهاية لها. وبين هذين التحولين يجد لبنان نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعه ليس كجزء من محور أو جبهة بل كدولة تمتلك مصالحها الوطنية الخاصة.

لكن هذه الفرصة تحمل في داخلها قدرا كبيرا من المخاطر. فالتاريخ اللبناني يعلمنا أن النوافذ الإقليمية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. وكثيرا ما أهدرت البلاد لحظات التحول الكبرى بسبب انشغال القوى السياسية بصراعاتها الصغيرة وعجزها عن إدراك حجم المتغيرات من حولها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في طبيعة الاتفاقات الدولية بل في قدرة اللبنانيين على إنتاج رؤية وطنية تتجاوز منطق المحاصصة وإدارة الأزمات.

وهنا تحديدا يبرز اتفاق الطائف باعتباره جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على إقراره لا تزال معظم الأزمات اللبنانية ناتجة عن عدم استكمال تطبيقه لا عن فشله. فالدولة التي نص عليها اتفاق الطائف لم تكتمل، ومؤسساتها لم تستعد كامل وظائفها، والانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة بقي انتقالا ناقصا ومعلقا. ولذلك فإن أي حديث عن مستقبل لبنان بعد التحولات الإقليمية يفقد معناه إذا لم يقترن باستكمال مشروع الدولة الذي بدأه اتفاق الطائف ولم يكتمل.

كما أن النقاش حول سلاح حزب الله ودوره ومستقبله سيأخذ بعدا مختلفا في المرحلة المقبلة. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالتوازنات العسكرية أو بحسابات الردع بل أصبحت جزءا من سؤال أكبر يتعلق بموقع الدولة اللبنانية داخل النظام الإقليمي الجديد. فكلما اتجه الإقليم نحو الاستقرار ازدادت الضغوط السياسية والمنطقية باتجاه تعزيز دور الدولة وتقليص الحاجة إلى البنى الموازية مهما كانت مبررات وجودها في السابق.

اقتصاديا تبدو الفرصة أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فلبنان يقف أمام احتمال الاستفادة من مناخ إقليمي أقل توترا وأكثر استعدادا للاستثمار وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع إذا استمرت الدولة في إنتاج الأزمات نفسها أو إذا بقيت الإصلاحات رهينة الحسابات السياسية الضيقة.

أما عربيا فإن لبنان يقف أمام فرصة استعادة موقعه الطبيعي بعد سنوات طويلة من التراجع والابتعاد عن محيطه. فالعواصم العربية لا تبحث اليوم عن لبنان تابع لمحور أو خصم لمحور آخر بل عن دولة مستقرة وقادرة على إدارة شؤونها ومؤسساتها وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ولهذا فإن ما يجري في المنطقة ليس مجرد اتفاق بين واشنطن وطهران بل بداية انتقال من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى. ولبنان الذي كان طوال عقود ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يجد نفسه اليوم أمام فرصة نادرة للخروج من هذا الدور. غير أن هذه الفرصة ليست قدرا محسوما ولا نتيجة تلقائية للتفاهمات الدولية. إنها فرصة مشروطة بقدرة اللبنانيين على استيعاب معنى التحولات الجارية والانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية بناء الدولة.

ولعل السؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبل لبنان خلال السنوات المقبلة ليس ماذا ربحت إيران أو ماذا حققت الولايات المتحدة بل ما إذا كان اللبنانيون قادرين أخيرا على استثمار لحظة التحول الإقليمي لبناء دولة طال انتظارها. فالمعادلة الجديدة التي تتشكل في الشرق الأوسط قد تمنح لبنان فرصة تاريخية لكنها لن تبني له دولته. وهذه المهمة ستبقى مسؤولية اللبنانيين وحدهم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق