«السجناء السياسيين».. ملف سعودي ساخن ينتظر التبريد لأجل بايدن

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من التطبيع مع إسرائيل.. إلى المصالحة الخليجية.. والتهدئة في العراق.. والتصعيد في نووي إيران.. وتمهيد الأرض للحل في اليمن، تبدو منطقة الشرق الأوسط في حالة من السيولة الشديدة، تحسبا لتولي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، في العشرين من يناير الجاري.

 

ومن اللافت أن السعودية تعد طرفا فاعلا، سلبا أو ايجابيا، في كل هذه الملفات، لذا يسارع الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد والحاكم الفعلي للمملكة، الخطى من أجل ترتيب أوراقه استعدادا لإدارة علاقة لن تكون سهلة بأي حال من الأحوال مع إدارة أمريكية جديدة، لا تخفي انتقاداتها وغضبها صوب كثير من سياسات الرياض، حليف واشنطن الوثيق.

 

ويعد ملف حقوق الإنسان من أبرز الملفات الشائكة بين الحليفين، فرغم أن بن سلمان أطلق موجة من التغييرات الاجتماعية في المملكة شديدة المحافظة، بما عزز دور المرأة وحقوقها، إلا أن ملف المعتقلين السياسيين يشكل نقطة خلاف محتملة، أو بالأدق قائمة بالفعل، في ضوء ما أبداه بايدن وأعضاء حملته الانتخابية من انتقادات لملف السعودية الحقوقي حتى قبل فوزه بالانتخابات.

 

وسرّعت السعودية من محاكمات من تصفهم بالمنشقين، بمن فيهم طبيب سعودي أمريكي بارز، خشية أن يتحول هؤلاء الى أدوات مساومة في مواجهة مبكرة محتملة مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن القادمة.

 

وتعهد الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن الذي سيتولى السلطة رسميا بعد أسبوعين بإعادة تقييم الروابط مع السعودية على خلفية سجلّها في مجال حقوق الانسان، في حين كانت إدارة دونالد ترامب تغض النظر الى حدّ بعيد عن كل ما تعتبره المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان انتهاكات في المملكة.

مسار تصادمي

ورأى تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية أنه من المحتمل أن تضع المحاكمات، بعد حملة قمع منذ سنوات ضد المعارضين، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مسار تصادمي مع بايدن الذي تعهد أيضًا بتعليق مبيعات الأسلحة الأمريكية للمملكة بسبب حربها المستمرة منذ خمس سنوات في اليمن المجاور.

 

وبعد الحكم الصادر مؤخرا على الناشطة لجين الهذلول بالسجن لقرابة ست سنوات، مع وقف تنفيذ يجعل إطلاق سراحها مطلع العام 2021  احتمالا واردا، يواجه الطبيب وليد فتيحي، خريج جامعة هارفرد، احتمال إعادة سجنه بعد فترة طويلة من التوقيف قبل المحاكمة.

 

وصدر الشهر الماضي حكم بحق فتيحي، وهو مؤسس مستشفى بارز في مدينة جدة المطلة على البحر الأحمر ومتحدث مقنع، بالسجن لمدة ستة أعوام. ولا يزال فتيحي (56 عاما) طليقا في انتظار نتيجة استئناف تقدم به للمحكمة هذا الأسبوع.

 

وأُطلق سراح فتيحي الذي يتابعه على تويتر نحو مليوني حساب، عام 2019 بعد ما يقارب عامين من الاحتجاز، أولاً في فندق ريتز كارلتون بالرياض في إطار ما عرف بحملة مكافحة الفساد، ولاحقًا في سجن الحائر قرب الرياض. وقال نشطاء ومقربون من عائلة فتيحي لوكالة فرانس برس إنه تعرض للتعذيب، بما في ذلك الصعق بالكهرباء.

وقال مشرعون أميركيون إن اعتقاله ذو دوافع سياسية. وبعد إدانته بتهم بينها حصوله على الجنسية الأمريكية دون إذن رسمي والتغريد لدعم انتفاضات الربيع العربي 2011، قال مصدر مقرب من عائلته إن السعودية قد تستخدم مثل هذه القضايا "كأداة تفاوضية" لتلطيف موقف بايدن. واضاف المصدر أنه من خلال مثل هذه المحاكمات السياسية "تقول السعودية لبايدن: تعال لنتفاوض".

 

وهناك سجينان سعوديان أمريكيان آخران قيد المحاكمة، في قضيتين منفصلتين، الأول هو صلاح الحيدر نجل ناشطة بارزة في مجال حقوق المرأة، والثاني كاتب وطبيب يدعى بدر الإبراهيم. ولم تعلق السلطات السعودية رسميًا حتى اللحظة على اعتقالهما أو التهم الموجهة لكل منهما.

 

ملف شائك

وأنهت المملكة الثلاثاء الماضي أكثر من ثلاث سنوات من الحصار المفروض على جارتها قطر، لكنها تمضي قدما في محاكمة الشيخ سلمان العودة، رجل الدين البارز الذي اعتقل عام 2017، أمام محكمة متخصصة بمكافحة الارهاب بعد أن دعا إلى المصالحة الخليجية في تغريدة على "تويتر".

 

وإلى جانب عشرات المحتجزين من النشطاء وأفراد العائلة المالكة، توجه السعودية أيضا تهما تتعلق بالفساد لولي العهد السابق المخلوع محمد بن نايف، حليف وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية منذ وقت طويل، والمحتجز منذ مارس.

 

وقالت لجنة تقصي حقائق برلمانية بريطانية الشهر الماضي إن السلطات السعودية هددت بإعادته إلى الحبس الانفرادي رغم وضعه الصحي الهش، إذا لم "يفرج عن أموال" تتعلق بادعاءات غير مثبتة، واصفة هذا التكتيك بأنه "ابتزاز".

 

وتقول كريستين ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن لوكالة فرانس برس "من المدهش رؤية الأمير محمد بن سلمان يضاعف الرهان على هذه القضايا المحلية". وتضيف "قد يكون يعتمد تشددا أكبر، وعينه على المفاوضات مع بايدن. أو ربما يضع خطوطا حمراء جديدة: الشؤون السعودية الداخلية خارج حدود" اللعبة.

 

باب للمساومة

ويقول مصدر مقرّب من مسؤولين في المملكة إن حكام السعودية "مصممون على رفض الضغط عليهم بشأن هذه القضية، لذلك لا أرى مجالاً للمساومة هنا". ويضيف لوكالة فرانس برس إن تسريع المحاكمات الآن هدفه ببساطة "إغلاق الملفات".

 

ويقول الخبير في شؤون الخليج المقيم في واشنطن حسين إيبش "لست متأكدًا من أن السعوديين يفهمون تمامًا عمق المشكلة التي سيواجهونها مع إدارة بايدن الجديدة". ويضيف "يتخذ السعوديون يتخذون هذا الموقف العدائي تجاه السجناء السياسيين الداخليين مع علمهم أن هذه نقطة حساسة مع الديموقراطيين الأمريكيين".

 

 في غضون ذلك، لا يزال فتيحي في ترقب بعد ان استأنف الحكم الذي وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بأنه "مخيب للآمال". وتم تجميد أصوله الشخصية، ما أجبره على مراكمة ضرائب وعقوبات أمريكية منذ عام 2017. وتظهر رسالة من محامي ضرائب أمريكي اطلعت عليها وكالة فرانس برس وموجهة الى فتيحي، أن هذا الأخير مدين الآن ب10,9 مليون دولار.

 

ومنعت زوجته وأبناؤه الستة، وجميعهم مواطنون أميركيون، من السفر خارج المملكة. ورفض فتيحي إجراء مقابلة مع وكالة فرانس برس. إذ سبق أن اتُهم بعض السجناء السياسيين في السعودية بالاتصال بوسائل إعلام عالمية، رغم أنه لا يزال من غير الواضح سبب اعتبار ذلك جريمة. ويداوم الطبيب المعروف بأنه ينمق كلامه باقتباسات من باولو كويلو وفيودور دوستويفسكي، في المركز الطبي الدولي المترامي الأطراف في جدة.

 

ويتركز عمله في المستشفى الآن على خط المواجهة الأول في مكافحة جائحة كوفيد-19، وهو متحدث قادر على تحفيز من يستمع اليه وصار اسمه معروفا في المملكة بعد مداخلاته التلفزيونية الكثيرة. وقال المصدر المقرب من عائلته إن "المحققين كانوا يسألونه باستمرار: "لماذا لديك الكثير من المتابعين؟"". وأضاف "إنهم (السلطات السعودية) يريدون تدميره".

 

وكانت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض، قد أدانت  في ديسمبر الماضي الناشطة في مجال حقوق المرأة لجين الهذلول، بالتورط في عدد من "النشاطات المجرّمة"؛ وقضت بحبسها لمدة 5 سنوات و8 أشهر.

 

وتضمن حكم المحكمة، وقف تنفيذ عامان و10 أشهر من العقوبة المقررة بحقها، استصلاحًا لحالها وتمهيد السبل لعدم عودتها إلى ارتكاب الجرائم وأنه في حال ارتكابهما أي جريمة خلال السنوات الثلاث المقبلة، سيعتبر وقف التنفيذ ملغيًا.

 

بدوره، دعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، السلطات السعودية إلى "الإفراج المبكر" عن الناشطة لجين الهذلول، مؤكدًا أن إدانة الهذلول والحكم عليها بالسجن "مبعث قلق عميق".


وقال المكتب عبر تغريدة نشرها على حسابه الرسمي على موقع تويتر:" ندرك أن الإفراج المبكر عنها هو أمر ممكن ونشجع عليه بشدة على وجه السرعة". 

 

ولجين الهذلول من بين الناشطات السعوديان المدافعات عن حقوق المرأة ونشطت لمدة طويلة ضد الحظر الذي كان مفروضا على قيادة المرأة السعودية للسيارة والذي انتهى قبل عامين لكنها سجنت مع آخريات بتهمة التآمر مع "كيانات معادية".

وأثارت قضية لجين الهذلول انتقادات دولية وغضبا في العواصم الأوروبية والكونجرس الأمريكي خاصة بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي على يد سعوديين داخل قنصلية المملكة في اسطنبول.

 

وكان تقرير لصحيفة "ذا هيل"الأمريكية الأسبوع الماضي، قد أشار إلى أن "السعودية تهيئ نفسها لعلاقة أكثر صعوبة مع إدارة بايدن".

 

وأوضح التقرير أن ذلك "يأتي ذلك بعد 4 أعوام منح فيها الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب خطا مباشرا للسعودية للتواصل مع البيت الأبيض وأبدى خلالها دعمه لسياساتها وتصرفاتها التي أثارت الكثير من الجدل".

 

وتابعت ذا هيل: "كانت العلاقات بين ترامب والسعودية مصدر توتر دائم بين البيت الأبيض والعديد من جمهوريي الكونجرس الذي انتقدوا مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي ودعم إدارة ترامب مطلق العنان لحرب اليمن"، كما جذبت هذه الممارسات انتقادات غليظة من المعسكر الديمقراطي.

 

وخلال حملته الانتخابية،  تعهد بايدن بمواجهة المملكة بـ "يد قوية" لا سيما في مجال حقوق الإنسان بل ووصفها بـ "المنبوذة".
 

ووصف التقرير حقبة ترامب بالفترة الذهبية للسعودية حيث اتجهت بوصلة الولايات المتحدة نحو الرياض وانسحبت من الاتفاق النووي الإيراني وانتهجت سياسات معادية لطهران بالإضافة إلى تنفيذ ضربة اغتالت الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني.

 

وفي تغريدة له، وصف جاك سولفيان، مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن الحكم على الهذلول بـ "غير العادل والمثير للقلق"، مضيفا أن "إدارة بايدن-هاريس سوف تواجه أي انتهاكات حقوقية أينما تحدث".

 

ووفقا للتقرير، يشعر السعوديون بتوجس من أن البيت الأبيض في عهد بايدن سيكون نسخة من إدارة أوباما.

 

ويتضح ذلك في عودة العديد من وجوه حقبة أوباما إلى الصدارة مجددا مثل سوليفان نفسه الذي كان قائدا للمفاوضات الأولية اثناء محادثات الاتفاق النووي عام 2015، وأنتوتي بلينكن، مرشح بايدن لوزارة الخارجية.

 

وكشفت تقارير أن السعودية تعاقدت مع العديد من شركات اللوبي الأمريكية للترويج للمملكة ومواجهة ضغوط الإدارة الجديدة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق