المرأة التونسية تتصدر قائمة الأفريقيات والعربيات الرائدات في مجال البحوث العلمية

وكالة أخبار المرأة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
تحقيق: راضية القيزاني - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

منح تصنيف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) للعام 2020 المرأة التونسية، المرتبة الأولى ضمن قائمة الأفريقيات والعربيات الرائدات في مجال البحث العلمي، حيث أن 55.1 في المئة من الباحثين التونسيين من الإناث، وهي أكبر نسبة في أفريقيا والعالم العربي.
واستند التصنيف إلى بيانات يونيو 2020 لمعهد الإحصاء التابع للأمم المتحدة، ومنح الدولة الواقعة شمال أفريقيا أفضل ترتيب، متقدمة في ذلك على الجزائر بنسبة 47.1 في المئة ومصر 45.6 في المئة وجنوب أفريقيا 44.9 في المئة وكذلك على المغرب 33.8 في المئة.
وتتصدر تونس للمرة الثانية على التوالي العالم العربي وأفريقيا في ترتيب اليونسكو، حيث حققت في العام الماضي درجة مماثلة تقريبا.
تفوق دولي
أشارت اليونسكو في تقرير منفصل في العام الماضي إلى أن 65 في المئة من التونسيين الحاصلين على درجة البكالوريوس و69 في المئة من حملة الدكتوراه كانوا من الإناث.
كما كشف تقرير صادر عن نفس المنظمة في العام 2019، عن تفوق الباحثات التونسيات دوليا في مجال البحث العلمي والابتكار. وأكد التقرير أن المرأة التونسية تصدرت قائمة الدول العربية بنسبة 55 في المئة مقابل متوسط 39 في المئة للمنطقة العربية، وذلك في إطار مقاربة جندرية حول حصة المرأة في مجال البحوث العلمية مقارنة مع الرجل.
وقالت سامية الشرفي قدور، مدير عام البحث العلمي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي التونسية، إن البحث العلمي هو مصعد اجتماعي للمرأة يمكنها من كسب استقلاليتها عن طريق البحث والمثابرة والحصول على شهادات عليا، مشيرة إلى أنه يشمل الرياضيات والفيزياء والعلوم الصحيحة بصفة عامة وأيضا علوم الحياة والأرض والعلوم الطبية والإنسانية والاجتماعية.
وأضافت أنه في الجامعات وفي مؤسسات البحث العلمي التونسية يوجد 600 مخبر ووحدة بحث و24 ألف أستاذ جامعي 50 في المئة منهم يقومون بالبحث والتأطير، وهو ما ساعد المرأة الباحثة على التميّز.
وأكدت الشرفي قدور أن تطور البحث العلمي في تونس يأتي كنتيجة لاستثمار الدولة في التعليم العالي والبحث العلمي، مشيرة إلى أن تونس وحسب أرقام للمنظمة الدولية للملكية الفكرية في عام 2018 احتلت المرتبة 66 في البحث والتجديد، والمرتبة 14 في ما يخص المنشورات العلمية، والمرتبة 43 عالميا في ما يخص مؤشرات الإنتاج العلمي.
وأشارت إلى أن 60 في المئة من الطلبة في الجامعات التونسية هم من الإناث وثلثي المتخرجين نساء.
وقالت قدور إن نسبة 70 في المئة من المتخرجين في الطب هم من الإناث لكن ليس لدى النساء والرجال نفس الحظوظ في سوق الشغل بعد التخرج، مشيرة إلى أنه لدينا شوط كبير في مجال المساواة بين الجنسين.
وأضافت أنه علينا العمل على تحسين نسبة تواجد النساء في المراتب العليا في القطاعين العمومي والخاص.
وأشاد الدكتور الصحبي بن منصور بالتطور الذي ما انفكت تقدمه المرأة التونسية في مجال العلوم وبإسهاماتها في تطوير البحث العلمي.
وقال أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الزيتونة “إن سند العلم لم ينقطع عن المرأة التونسية، حيث ظلّت جذوته منيرة في عقلها، وما رَسْم صورة توحيدة بن الشيخ على الورقة النقدية الجديدة في تونس، باعتبار أنها أول طبيبة في تونس وفي الوطن العربي، سوى دليل ساطع على ريادة المرأة التونسية في العلوم، وعلى وعي الدولة التونسية بهذه المسألة وتثمينها”.
وأضاف  أنه بفضل هذه الجينات العلمية الراقية المتوارثة في جسم المرأة التونسية، وكذلك بفضل ترسّخ فكرة قداسة العلم وأهلية المرأة للخوض فيه في التراث الفكري لمجتمعها، تبوّأت المرأة التونسية اليوم صدارة الترتيب في أفريقيا والعالم العربي في مجال نسبة الإناث من مجموع الباحثين في الدولة التونسية وذلك بمعدل 1.55 في المئة، مشيرا إلى أنّ عدد الإناث في مجال التعليم يفوق اليوم عدد الذكور، علاوة على أنهن يمثلن نسبة 69 في المئة من حملة الدكتوراه.
وأكد بن منصور أنه في جلّ العائلات التونسية اليوم هناك باحثات بارعات في ميادين الهندسة والرياضيات والطب والبيولوجيا وأيضا في علوم التكنولوجيا وصناعات الذكاء.
والأمثلة عديدة عن نساء بارعات في اختصاصهن في تونس، لذلك باتت أبواب الجامعات والمخابر مفتوحة اليوم للكثير من العالمات والباحثات. وهذا بلا شكّ يقدم الدليل على وجه الفرادة والتميّز في تونس، وهو ما يُعزّز كذلك صدق الحديث عن الاستثناء التونسي.
وبحسب اليونسكو، لم تتجاوز حصة المرأة الباحثة مقارنة مع الرجل نسبة 27 في المئة، وفي فرنسا وألمانيا تقدر هذه النسبة 28 في المئة وفي بريطانيا 39 في المئة، وفي أيسلندا 47 في المئة. أما في ليتوانيا، فقد بلغت حصة المرأة الباحثة 51 في المئة، وسجلت ميانمار أعلى النسب حول العالم على هذا الصعيد، حيث بلغت 86 في المئة، وفنزويلا 62 في المئة، وتايلاند 56 في المئة، وأذربيجان 57 في المئة وجورجيا 53 في المئة، وكازاخستان 53 في المئة.
ويلعب تشجيع الأسر للفتيات على دخول المجالات العلمية دورا هاما في تميزهن في مجال البحث العلمي، أو في مجال النشاطات الفكرية بصورة عامة.
وتؤكد جوديت بولغار، لاعبة الشطرنج المجرية، وهاو ييفان لاعبة الشطرنج الصينية على أهمية دور الآباء في دعم وتشجيع أطفالهم. وحظيت هاتان البطلتان بدعم ورعاية من أسرتيهما منذ الصغر. وتقول بولغار، التي خاضت شقيقتاها أيضا منافسات الشطرنج، إن أبويها عقدا العزم منذ ولادتها على أن تصبح بطلة شطرنج.
وكانت أسرتها ترى أن التمييز ضد المرأة لا يمكن أن يعيقها عن إحراز أرفع الألقاب في عالم الشطرنج. وتقول إن والديها كانا على يقين بأن الفتيات بوسعهن تحقيق نفس النتائج التي يحققها أي صبي موهوب.
وتعيق بعض الأحكام المسبقة من المجتمع حول قدرة الفتيات على تحقيق الريادة، مشاركتهن في المجالات العلمية أو في بعض الألعاب الفكرية وتميّزهن فيها. كما يرفض بعض أولياء الأمور أو المعلمين أن يؤهلوا بناتهم أو تلميذاتهم ليصبحن لاعبات متميزات أو عالمات موهوبات. وهي مقاربة خاطئة تسهم في قتل غريزة التفوق لدى الطفلة.
وتقول بولغار “ينظر الآباء والمعلمون للطفلة بطريقة مختلفة، فيدللونها ويثنون على رقتها ونعومة شعرها”. ولا ترى بولغار أن الفتيان بحكم طبيعتهم هم أكثر إصرارا من الفتيات على خوض المنافسات، أو أن الفتيات ينجذبن بالفطرة نحو الألعاب النسائية مثل الباليه.
اقتحام المجالات العلمية
على عكس ما هو سائد في المجتمعات العربية التي تشجع على المهن التقليدية، تحث الأسر التونسية الفتيات على دخول المجالات العلمية وتدفعهن إلى البروز في تخصصات الفيزياء والرياضيات وعلوم الحياة والأرض والعلوم الطبية.
وتشير وثيقة ملامح النوع الاجتماعي في تونس التي أعدتها الحكومة التونسية في العام 2014، في إطار تعاون مع الاتحاد الأوروبي، إلى أن التعليم شمل البنات بصورة أفضل حيث بلغت نسبة تمدرس الإناث في الثانوي 11.1 في المئة، وفي الابتدائي 59.9 في المئة. كما أن 11 في المئة من خريجي التعليم العالي من الإناث.
وتعد تلك الوثيقة تشخيصا للوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمرأة والرجل وللإطار التشريعي والقانوني في ما يتعلق بمسألة المساواة، وبالآليات المؤسساتية وبالسياسات العمومية الرئيسية وبتدخلات المجموعة الدولية دعما للمساواة في مجال النوع الاجتماعي في تونس. ويستند هذا التشخيص إلى تحليل بشأن إدراج المرأة التونسية في سياسات الحوكمة ومسارات التنمية، مع التأكيد على الصعوبات التي تحول دون الاستفادة الكاملة للمرأة من حقوقها.
وتضمن مجلة (قانون) الأحوال الشخصية حقوق المرأة في تونس، وقد تم توسيع حقوقها في دستور 2014 الذي أقر المساواة بين الجنسين دون تمييز.
وحتى قبل ما يعرف بثورات الربيع العربي كانت المرأة التونسية تحظى بقدر من الاستقلالية والتحرر، فاق ما كانت تحظى به قريناتها في باقي البلدان العربية. وبعد استقلال تونس في العام 1956 وقبل إقرار دستورها، قام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بتطبيق مجلة الأحوال الشخصية، وهو القانون الذي كفل المساواة بين الرجل والمرأة في العديد من المجالات الحياتية. إذ تم إلغاء القانون الذي يسمح بتعدد الزوجات وإضفاء الشرعية على عمليات الإجهاض. كما تم منح النساء الحق في الحصول على جواز سفر وحساب بنكي، وتمكينهن أيضا من فتح مشروع تجاري خاص.
وقد شجعت هذه الوضعيات مجتمعة إضافة إلى مراهنة الحكومات المتعاقبة على تعليم المرأة مثلها مثل الرجل، على أن تتبوأ المرأة التونسية مكانة متميزة في مجالات مختلفة منها مجال البحث العلمي، وهو ما أكده الباحث في علم الاجتماع الدكتور الطيب الطويلي.
وقال الطويلي إن نسبة مشاركة المرأة التونسية في البحث العلمي مرتفعة جدا تمثل ضعف نسبة مشاركة المرأة الألمانية مثلا أو الفرنسية حسب معهد اليونسكو للإحصاء، وهو ما يمثل فخرا للمرأة التونسية التي فاقت من حيث نسب الباحثات المرأة الأوروبية.
وأضاف أن ذلك يمثل ثمرة لمشروع الدولة الوطنية الذي أعقب فترة الاستقلال والذي فرض إجبارية التعليم ومجانيته في الدستور. وسعى إلى تعميم المؤسسات التعليمية على كامل التراب التونسي، وحرص على أن تتعلم المرأة عبر إجبار الآباء التقليديين الذين كانوا يرفضون فكرة الاختلاط ويحصرون دور المرأة في الأعمال المنزلية على تعليم بناتهم. واستشهد الطويلي بالقولة المأثورة للرئيس بورقيبة التي مفادها أن “تعليم فتاة تونسية أهم من شراء طائرة نفاثة”.
وأكد أن الأسر التونسية ترسّخت لديها منذ تلك الفترة فكرة أن التعليم يمثل المصعد الاجتماعي الذي يمكن أن ينتشل أبناءها وبناتها من الفقر والجهل ويحسّن من مستواها المعيشي، ولذلك يمثل التعليم أولوية لدى التونسي. ونتيجة ذلك أن نسبة الإناث خريجات الشعب العلمية في تونس مثلت في العام 2019، 58 في المئة، حسب ذات التصنيف لتتفوق بذلك تونس على إيطاليا وفرنسا وسويسرا. كما احتلت تونس المرتبة الثانية عالميا من حيث نسبة الإناث خريجات الشعب العلمية في التعليم العالي، على غرار علوم التكنولوجيا والهندسة والرياضيات وذلك حسب تصنيف نشره البنك الدولي خلال شهر مايو وشمل 114 دولة خلال الفترة الدراسية الممتدة من 2015 إلى 2017. وهو ما يشير إلى أن سياسات الدولة الوطنية في ما يتعلق بتعليم المرأة قد أثمرت لتصبح المرأة التونسية رائدة فعلا على المستوى العالمي.
لكن العديد من التحديات تظل مطروحة على المرأة التونسية من بينها افتكاك نسبة هامة من التوظيف في المجالات العلمية كالطب والهندسة، حيث أن نسبة خريجي هذه الشعب من الإناث لا تتواءم مع نسبة توظيفهن، وهو ما أكدته مدير عام البحث العلمي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
ومهما كانت العوائق ستبقى التونسيات سبّاقات في العالم العربي، لأنهن دائما يطلبن حقوقا أكثر ويطمحن إلى المزيد من المساواة والعدل.
فمنذ عليسة إلى الكاهنة مرورا بالجازية الهلالية، وصولا إلى السيدات اللواتي حكمن تونس مباشرة أو من وراء الستار، أقامت المرأة التونسية الحُجّة والبرهان على أنّها مؤهلة بالفطرة للقيادة سواء داخل أسرتها أو في القبيلة أو في المجتمع.

أخبار ذات صلة

0 تعليق