«للتخلص من الطغاة».. دعوات في بورما لتظاهرات مليونية

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

دعا معارضو الانقلاب العسكري في ميانمار إلى مزيد من الاحتجاجات الكبيرة، اليوم الأربعاء، لإظهار أن ادعاء الجيش وجود تأييد شعبي واسع النطاق للانقلاب العسكري، ما هو إلا زيف وخداع، وذلك بعدما تعهد قادة الانقلاب بإجراء انتخابات جديدة لم يتم تحديد موعدها.

 

وتظاهر عشرات آلاف الأربعاء في شوارع رانغون، مؤكدين بأنهم سيكافحون "حتى النهاية" ضد الانقلاب الذي قام به الجيش رغم القمع الذي تمارسه قوات الأمن. وفي محاولة لمنع قوات الأمن من الانتشار، قطع المتظاهرون محاور طرق عدة بالسيارات، مدعين أنها تعطلت.

 

وتوجه آخرون، سيراً على الأقدام أو على متن درجات، حاملين لافتات كُتب عليها "المعركة من أجل الديمقراطية" و"ارفضوا الانقلاب" و"احترموا القانون!". وقال شاب يبلغ من العمر 21 عاما لفرانس برس "يجب أن نكافح حتى النهاية".

 

وقال نيلار ثين "في هذا المكان ركضنا لننقذ أرواحنا خلال حملة القمع عام 1988" وأضاف ثين الذي كان طالبا حينها "لا يمكننا السماح بان يواجه الشباب نفس الفظائع" إذ فقد نحو 3 آلاف شخص حياتهم خلال تلك الانتفاضة الشعبية.

 

وكتبت الناشطة كين ساندار على فيسبوك "دعونا نجتمع بالملايين للتخلص من الطغاة". وقال كي تو، العضو البارز في حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الذي تتزعمه سو تشي "دعونا نَسِر بشكل جماعي. دعونا نُظهر قوتنا ضد الحكومة الانقلابية التي دمرت مستقبل الشباب... مستقبل بلادنا".

 

في العاصمة الإدارية نايبيداو، حيث تخضع الزعيمة المدنية السابقة أونغ سان سو تشي للإقامة الجبرية في منزلها، سار موظفون ومهندسون وطلاب بأعداد كبيرة وهم يهتفون "ساعدونا في إنقاذ بورما". وخرجت تظاهرات أخرى في مناطق متفرقة من البلاد.

شكوك عميقة

ومن حظر التجمعات وقطع الإنترنت إلى عمليات الاعتقالات ليلا وتعزيز الترسانة التشريعية، واصل العسكريون تصعيد تحركاتهم منذ انقلابهم في الأول من فبراير الذي أنهى انتقالا ديموقراطيا هشا دام عشر سنوات. والخوف من الأعمال الانتقامية ماثل في أذهان الجميع في الدولة التي خضعت للجيش لنحو 50 عاما منذ استقلالها في عام 1948.

 

ووصف العسكريون التجمعات بأنها "عنيفة" وهددوا مرارا بفرض "عقوبات"، لكن رغم ذلك تستمر الدعوات إلى عصيان مدني من الأطباء والمعلمين ومراقبي الحركة الجوية وعمال السكك الحديدية.

 

واعتقل الجيش المئات منذ الانقلاب أغلبهم خلال مداهمات ليلية. ومن بين المعتقلين غالبية كبار قادة حزب الرابطة الوطنية. وقالت جمعية مساعدة السجناء السياسيين في ميانمار إن ما يربو على 450 شخصاً اعتقلوا منذ الانقلاب. وأدى انقطاع خدمات الإنترنت لليلة الثالثة إلى عدم ورود أنباء عن أي اعتقالات اليوم الأربعاء.

 

وعبّر المعارضون عن شكوكهم في تعهد المجلس العسكري، خلال مؤتمر صحفي، أمس الثلاثاء، بإجراء انتخابات نزيهة وتسليم السلطة للمدنيين في الوقت الذي وجهت الشرطة تهمة جديدة للزعيمة المنتخبة أونغ سان سو تشي.

 

وتواجه الزعيمة الحائزة جائزة نوبل للسلام، والمحتجزة منذ انقلاب الأول من فبراير، تهمة مخالفة قانون التصدي للكوارث الطبيعية في البلاد بالإضافة إلى تهمة استيراد أجهزة اتصال لاسلكية بشكل مخالف للقانون، تم تحديد الأول من مارس موعداً للجلسة المقبلة.

غضب دولي

وتسبب الانقلاب الذي أوقف مسار التحوّل نحو الديمقراطية في الدولة الواقعة بجنوب شرق آسيا في اندلاع مظاهرات يومية منذ السادس من فبراير شهد بعضها مشاركة مئات الآلاف. وأثار استيلاء الجيش على السلطة انتقادات شديدة من الغرب مع تجدد غضب واشنطن ولندن بشأن التهمة الإضافية لسو تشي.

 

وعلى الرغم من اتخاذ الصين موقفاً أكثر ليونة إلا أن سفيرها في ميانمار رفض أمس الثلاثاء اتهامات بأنها ساندت الانقلاب. واستولى الجيش على السلطة بزعم حدوث تزوير في انتخابات الثامن من نوفمبر، وهو اتهام رفضته لجنة الانتخابات. وقال الجيش إن إعلانه حالة الطوارئ يتماشى مع الدستور الذي مهّد الطريق لإصلاحات ديمقراطية.

 

وقال البريجادير جنرال زاو مين تون، المتحدث باسم المجلس العسكري، في أول مؤتمر صحفي للمجلس منذ الإطاحة بحكومة سو تشي "هدفنا هو إجراء انتخابات وتسليم السلطة للحزب الفائز". ولم يحدد إطاراً زمنياً، ولكنه قال إن الجيش لن يبقى في السلطة فترة طويلة.

 

وفي أثناء ذلك قال نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إن الولايات المتحدة "منزعجة" من تقارير عن توجيه تهمة جنائية إضافية إلى سو تشي. كما شجب أيضاً رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون التهمة الجنائية الجديدة قائلاً إنها "ملفقة" من الجيش. وفرضت واشنطن عقوبات جديدة الأسبوع الماضي على جيش ميانمار.

قمع ناعم

لا يبدي جنرالات بورما أي تسامح مع الدعوات للتظاهر والعصيان المدني ردا على الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش مطلع فبراير الجاري، لكنهم في الوقت نفسه يدركون أن القمع الوحشي الذي اتبعوه ضد انتفاضة 1988 غير قابل للتكرار، لذا يعتمدون نمطا من القمع الناعم من خلال اعتقال قادة المتظاهرين ثم إعادة إطلاق سراحهم.

 

كذلك تجنب الجيش حتى الآن وقوع قتلى خلال فض المظاهرات، مستخدما خراطيم المياه والرصاص المطاطي، وهي سياسة تبدو بالغة الرفق، من جيش يشتهر بدمويته وأساليبه الوحشية وأنه لا يتورع عن قتل الآلاف كما حدث ضد مسلمي الروهينجا، الذين اضطر نحو مليون شخص منهم للفرار إلى بنجلاديش المجاورة هربا من مذابح الجيش الوحشية.

 

وبالتوازي مع ذلك، يعمد الجيش إلى اتباع سياسة "القطع المتكرر للانترنت" في عموم البلاد، حيث يتم قطع الخدمة لعدة ساعات، ثم إعادتها مرة أخرى، مع تكرار عملية القطع مجددا، وذلك بهدف إرباك المتظاهرين وحرمانهم من استغلال شبكات التواصل الاجتماعي لتنسيق تحركاتهم وخلق حالة من الزخم الواسع للتظاهرات ودعوات العصيان المدني.


كما تجنب قادة الانقلاب اتخاذ قرارات عنيفة ضد زعيمة البلاد "أونغ سان سو تشي" قادة حزب "الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية" الحاكم، والذي حصد غالبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، واكتفى الجيش بوضعها مع رئيس البلاد رهن الإقامة الجبرية، مع توجيه تهمة هزلية لها، تتعلق بحيازة أجهزة لاسلكية بدون ترخيص.

 

وتستهدف تلك الإجراءات تخفيف وتيرة الانتقادات الدولية، وامتصاص صدمة الانقلاب الأولى، سواء داخليا أو خارجيا، تمهيدا لإطلاق عملية سياسية جديدة، تضمن استمرار سيطرة الجيش على مقاليد الحكم في البلاد، وهو ما كانت الانتخابات الأخيرة تهدد بزعزعته، الأمر الذي لم يتسامح معه قادة الجيش.

 

تساؤلات وغموض

ويثير الانقلاب العسكري ضد الحكومة المدنية، العديد من التساؤلات حول الحاجة إلى ذلك التحرك العنيف فيما يحكم الجيش قبضته على السلطة بالفعل، من خلال تحكمه بمفاصل الاقتصاد وسيطرته على ربع مقاعد البرلمان، طبقا للدستور، فضلا عن إمساكه بمعظم الوزارات الحساسة، مثل الدفاع والداخلية والحدود.

 

ويتحدث محللون عن دوافع شخصية لقائد الجيش الجنرال "مين أونغ هلاينغ" الذي تولى مقاليد الحكم عقب الانقلاب، فالجنرال الذي يعد بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد كان يستعد للتقاعد بعد عقد كامل من الإمساك بزمام الجيش والسلطة، وهو ربما لم يكن يفضل تلك النهاية الهادئة، ويرغب بقضاء مزيد من الوقت فوق سدة الحكم.

 

ويشير البعض إلى خشية هلاينغ من تقاعد غير مريح، في ظل ما تشهده البلاد من انفتاح على المجتمع الدولي، وتصاعد وتيرة انخراط بورما في التجارة الدولية، بعد عقود طويلة من العزلة بسبب الحكم العسكري القاسي وتجميد الحياة السياسية، ويخشى الجنرال القوي من أن يؤدي ذلك الانفتاح إلى مزيد من التآكل في شعبية ونفوذ الجيش، وصولا إلى تعديل الدستور وإلغاء النصوص التي تمنح القوات المسلحة وضعا مهيمنا على مقاليد الحكم.

جرائم حرب

ونجح الجنرال في الحفاظ على سلطة الجيش حتى في ظلّ انتقال ميانمار إلى الحكم الديمقراطي، لكنه واجه إدانات عالمية وعقوبات بسبب دوره المزعوم في مهاجمة الجيش للأقليات العرقية. ومع عودة ميانمار تحت قيادته إلى الحكم العسكري، يبدو أن مين أونغ هلاينغ يسعى لتوسيع سلطته وتحديد مستقبل البلاد القريب.

 

وفي أغسطس 2018 قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنه "يجب التحقيق مع كبار الجنرالات العسكريين في ميانمار ، بمن فيهم القائد العام للقوات المسلحة الجنرال مين أونغ هلاينغ ، ومحاكمتهم بتهمة الإبادة الجماعية في شمال ولاية راخين، فضلا عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ولايات راخين وكاشين وشان".

 

ويرى محللون أن نتيجة الانتخابات البرلمانية الأخيرة والهزيمة المنكرة التي مني بها حزب التضامن الوحدوي والتنمية الحاكم سابقاً الذي أسسه الجيش قبل أن يسلم السلطة رسمياً في 2011، ربما رأى فيها الجيش مؤشرا كافيا على تآكل شعبيته، بصورة ربما تشجع مستشارة الدولة "أون سان سوتشي"، زعيمة حزب "الرابطة الوطنية للديمقراطية" الحاكم، على المضي قدما في تقليص نفوذ الجيش، حيث لم يحصل حزب التضامن سوى على 33 مقعداً من 476 مقعداً، بخلاف نسبة الـ 25% المخصصة للجيش.

 

وقوة الجيش البورمي ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضًا اقتصادية، حيث يمتلك 14٪ من ميزانية الدولة. مع ذلك فإن تمويله يتخطى بكثير ما تشير إليه الأرقام الرسمية إذ يتهم بتهريب المخدرات، والدخول في منظومة الفساد، كما يستفيد من الأرباح التي تجنيها شركات مملوكة له إضافة الى نفوذ واسع في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد البورمي.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق