تشهد الساحة الإيرانية في الآونة الأخيرة تحولاً استراتيجياً لافتاً في بنية القبضة الأمنية، حيث برز اسم لواء فاطميون كعنصر محوري في معادلة الحفاظ على الاستقرار الداخلي وحماية النظام في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد والحساسية.
ومع دخول المواجهات العسكرية يومها الخامس والثلاثين، رصدت الأوساط الميدانية والإعلامية تحركات مكثفة وغير مسبوقة لهذا التشكيل المكون من مقاتلين أفغان، والذين باتوا يجوبون الشوارع الرئيسة في طهران ومناطق حيوية أخرى دعماً لقوات الحرس الثوري الإيراني والباسيج.
حسب تقرير لـ وكالة "تسنيم" الإيرانية المقربة من المؤسسة العسكرية، فإن استعراضات لواء فاطميون في العاصمة طهران تعكس مفهوم "الشراكة في الدم" بين الشعبين الإيراني والأفغاني تحت لواء الثورة الإسلامية.
وقد أظهرت مقاطع الفيديو المتداولة أرتالاً عسكرية مهيبة تجوب الميادين، حاملة شعارات تعبر عن الولاء المطلق للمبادئ التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية، مما يشير إلى أن دور هذه القوات لم يعد مقتصرًا على الجبهات الخارجية في سوريا والعراق، بل امتد ليشمل العمق الإيراني.
تأسس لواء فاطميون في عام 2013 بتوجيه مباشر من فيلق القدس التابع للحرس الثوري، ليكون رأس الحربة في مواجهة التنظيمات المتطرفة التي هددت حلفاء طهران في المنطقة.
وقد لعب القائد المؤسس علي رضا توسلي، المعروف بلقب "أبو أحمد"، دوراً جوهرياً في حشد آلاف المتطوعين الأفغان تحت شعار الدفاع عن المقدسات، قبل أن يلقى حتفه في معارك درعا عام 2014، تاركاً وراءه تنظيماً عسكرياً صلباً يمتلك خبرات قتالية واسعة اكتسبها في حروب الشوارع.
الاستراتيجية الأمنية وتمدد لواء فاطميون
يرى مراقبون دوليون أن لجوء القيادة الإيرانية إلى نشر عناصر لواء فاطميون في شوارع طهران وإقليم خوزستان يعكس حالة من القلق المتزايد من احتمالية اتساع رقعة الاضطرابات الميدانية وتزايد التهديدات الأمنية.
هذا الاعتماد على مقاتلين أجانب يهدف بالدرجة الأولى إلى سد الثغرات في الكوادر الأمنية المحلية، وضمان وجود قوة ضاربة مدربة قادرة على التعامل مع السيناريوهات الأسوأ، بينما تظل القوات النظامية مشغولة بمهام استراتيجية أخرى على الحدود وفي المنشآت الحساسة.
وفقاً لبيانات معهد بروكينغز للأبحاث، فإن النظام الإيراني نجح في بناء جسور تواصل غير متوقعة مع قيادات حركة طالبان في قندهار وكابول لتسهيل عمليات التجنيد في لواء فاطميون.
وعلى الرغم من التنافس التاريخي والخلافات المذهبية العميقة بين الطرفين، إلا أن المصالح المشتركة في مواجهة تنظيم داعش-خراسان دفعت طالبان لتقديم دعم ضمني لتوسيع نفوذ هذا اللواء، بوصفه جزءاً مما يسمى بمحور المقاومة الذي يواجه التحديات الغربية في منطقة الشرق الأوسط.
استخدم فيلق القدس تكتيكات دعائية فاعلة لجذب المهاجرين الأفغان المقيمين في إيران، حيث روج لشعارات دينية وعقائدية حول حماية الأضرحة، مع تقديم وعود بمزايا مالية وإقامة دائمة.
انخرط الآلاف في لواء فاطميون طمعاً في تسوية أوضاعهم القانونية وتحسين ظروف عائلاتهم المعيشية، غير أن الواقع أثبت أن الكثير من هذه الوعود ظلت حبراً على ورق، حيث عاد مئات الجرحى إلى أفغانستان دون الحصول على الجنسية الإيرانية الموعودة.
جذور الصراع وتأسيس لواء فاطميون
انتقدت الحكومة الأفغانية السابقة برئاسة أشرف غني تكراراً ما وصفته باستغلال إيران للمهاجرين واللاجئين كوقود للحروب الإقليمية عبر زجهم في لواء فاطميون لسنوات طويلة.
ورأت وزارة الخارجية الأفغانية آنذاك أن تحويل اللاجئين إلى مقاتلين عابرين للحدود يمثل انتهاكاً للمواثيق الدولية، لكن الجانب الإيراني كان يصر دائماً على أن الانضمام يتم بشكل طوعي تماماً بدافع الدفاع عن المعتقدات الدينية، مشيداً بالدور المحوري الذي لعبه الأفغان في هزيمة تنظيم داعش.
تشير الإحصاءات غير الرسمية التي تداولها مسؤولون إعلاميون مقربون من الحرس الثوري إلى أن خسائر لواء فاطميون في معارك سوريا والعراق كانت فادحة ومؤلمة على الصعيد الإنساني.
فقد قُدر عدد القتلى بنحو ألفين مقاتل، بينما تجاوز عدد الجرحى والمصابين ثمانية آلاف عنصر، مما يوضح حجم التضحيات التي قدمها هؤلاء المقاتلون في سبيل تحقيق أهداف السياسة الخارجية الإيرانية، وهو ما جعلهم اليوم يحظون بمكانة خاصة داخل المنظومة الدفاعية والأمنية للنظام.
عقب سقوط كابول وعودة حركة طالبان إلى السلطة في عام 2021، شهدت وضعية عناصر لواء فاطميون العائدين من إيران تحولاً كبيراً في التعامل الأمني معهم. فبينما كانت الحكومة الجمهورية السابقة تطاردهم وتسجنهم بتهمة القتال لصالح دول أجنبية، قامت طالبان بإطلاق سراح المعتقلين منهم، بل إن بعضهم عاد لينخرط في صفوف التشكيلات العسكرية التابعة للحركة، مستفيدين من الخبرات العسكرية الميدانية التي اكتسبوها خلال سنوات القتال الطويلة في سوريا.
تحولات الميدان ودور لواء فاطميون
إن الانتشار الحالي لمركبات وأعلام لواء فاطميون في مدن مثل آبادان وخوزستان يبعث برسالة قوية للداخل والخارج حول مدى تلاحم القوى الحليفة لإيران وتأهبها للتدخل السريع. هذا التواجد العسكري المكثف لا يهدف فقط للترهيب، بل لتعزيز القبضة الأمنية في المناطق الحيوية التي قد تشهد توترات عرقية أو اقتصادية، مما يبرز أهمية اللواء كأداة متعددة الاستخدامات، قادرة على العمل في بيئات قتالية وأمنية متباينة وبكفاءة عالية.
تتحدث التقارير الواردة من طهران عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة تضم لواء فاطميون إلى جانب عناصر من الحشد الشعبي العراقي ولواء زينبيون الباكستاني لضمان السيطرة التامة.
هذه التشكيلات العابرة للحدود تمثل جيشاً موازياً يعتمد عليه النظام الإيراني في أوقات الأزمات الكبرى، حيث تتوحد هذه القوى تحت قيادة موحدة لمواجهة التحديات المتصاعدة، مما يعكس استراتيجية طهران في تدويل الدفاع عن نظامها السياسي عبر حلفاء عقائديين مخلصين.
تؤكد الوثائق البحثية الصادرة عن مراكز دراسات أمريكية أن العلاقة بين إيران وطالبان بشأن لواء فاطميون تطورت بشكل براغماتي يتجاوز الخلافات التقليدية حول تقاسم المياه والحدود.
فالتوافق الحالي حول دعم "محور المقاومة" يعكس رغبة مشتركة في تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة، مما جعل من تجنيد الأفغان عملية مستمرة ومنظمة تحظى بغطاء سياسي من القيادة في قندهار، وهو ما يزيد من نفوذ اللواء وقدرته على المناورة.
مستقبل التجنيد في لواء فاطميون
يعتمد فيلق القدس في استمرارية لواء فاطميون على شبكة واسعة من مكاتب التجنيد والمراكز الثقافية التي تعمل داخل مخيمات اللاجئين وتجمعات المهاجرين الأفغان المنتشرة في المحافظات الإيرانية.
يتم تقديم إغراءات مالية بالعملة الصعبة ورواتب شهرية منتظمة تفوق بكثير ما يمكن أن يحصل عليه العامل الأفغاني في المهن العادية، مما يدفع الشباب للانخراط في مهام قتالية خطيرة لتأمين مستقبل عائلاتهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
رغم البطولات التي يروج لها الإعلام الإيراني، يعاني الكثير من قدامى مقاتلي لواء فاطميون من الإهمال والتهميش بعد انتهاء مهامهم القتالية وعودتهم من الجبهات السورية.
وتكشف شهادات العائدين عن خيبات أمل كبيرة فيما يخص الحصول على أوراق ثبوتية أو تأمين صحي شامل للجرحى، وهو ما أدى إلى تزايد الأصوات المطالبة بإنصاف هؤلاء المقاتلين الذين بذلوا أرواحهم دفاعاً عن نظام لم يمنحهم في النهاية سوى الوعود المؤجلة.
إن ظهور لواء فاطميون في الشوارع الإيرانية خلال هذه المرحلة الحرجة يعد مؤشراً على دخول الصراع الإقليمي مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة وغير المباشرة.
فالرسالة الإيرانية من وراء هذا الاستعراض واضحة، وهي أن النظام يمتلك بدائل بشرية وقتالية قادرة على حماية مكتسباته، وأن المقاتل الأفغاني الذي دافع عن دمشق بالأمس، مستعد اليوم للدفاع عن طهران بنفس الحماس والولاء وتحت نفس الرايات الصفراء.
العلاقات الإقليمية وأثر لواء فاطميون
تراقب القوى الإقليمية والمجتمع الدولي بقلق متزايد تمدد لواء فاطميون واستخدامه كأداة لفرض الأمر الواقع في مناطق النزاع والآن في الداخل الإيراني نفسه. ويرى خبراء أن هذا النهج قد يؤدي إلى تفاقم الحساسيات القومية والمذهبية، خاصة إذا ما استخدمت هذه القوات في مهام قمعية ضد السكان المحليين، مما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية لا يمكن التنبؤ بنتائجها على استقرار المنطقة ككل في المستقبل.
يبقى لواء فاطميون أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الخارجية الإيرانية، حيث يجمع بين البعد الإنساني للاجئين والبعد العسكري للميليشيات العقائدية الموالية لولاية الفقيه.
ومع استمرار التحولات في المشهد السياسي الأفغاني والإيراني، يظل مصير آلاف المقاتلين معلقاً بين ولائهم لطهران ورغبتهم في العودة لوطنهم، وبين مطرقة الحاجة المادية وسندان الحروب التي لا تنتهي في منطقة تموج بالاضطرابات والتغيرات المتسارعة.
يمثل لواء فاطميون نموذجاً فريداً للقوة العسكرية الهجينة التي تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية لتخدم مشروعاً إقليمياً أوسع تقوده الجمهورية الإسلامية في إيران.
وسواء كان تواجدهم في طهران مجرد عرض للقوة أو بداية لتدخل أمني واسع، فإن الحقيقة الثابتة هي أن هؤلاء المقاتلين أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الدفاعي الإيراني، وركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في مواجهة التحديات المصيرية القادمة.


















0 تعليق