تشهد الساحة السياسية في الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً مع سعي لبنان الحثيث لفرض معادلة دبلوماسية جديدة تنهي الصراع الدامي القائم حالياً. يسعى المسؤولون في بيروت إلى اقتناص فرصة تاريخية تهدف إلى وقف آلة القتل والدمار، وذلك من خلال طرح مبادرات جريئة تتجاوز الأطر التقليدية للوساطة، وسط ترحيب دولي حذر يراقب بدقة مآلات هذه التحركات الرسمية المكثفة التي يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون بالتنسيق مع الحكومة.
وحسب تقرير لـ "العربية/الحدث.نت"، فإن الأروقة السياسية في القصر الجمهوري اللبناني شهدت نقاشات معمقة حول آليات الخروج من النفق المظلم للصراع العسكري. أكدت المصادر الرسمية أن الدولة اللبنانية متمسكة بمبادرة التفاوض من أجل وقف إطلاق نار فوري، مع الضغط بكل ثقلها لتكون جزءاً أصيلاً ومباشراً من أي اتفاق قادم، مما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الدبلوماسية تهدف لحماية السيادة وتأمين الحدود المشتعلة.
وفي المقابل، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات لافتة يوم الخميس، أعلن فيها عن إعطاء توجيهات واضحة للمجلس الوزاري المصغر للبدء بمفاوضات مباشرة مع الجانب اللبناني في أقرب وقت ممكن. هذا التطور الميداني والسياسي يعكس رغبة في الانتقال من لغة الصواريخ إلى لغة الحوار، رغم استمرار الغارات الجوية العنيفة التي تشنها الطائرات الحربية الإسرائيلية على مناطق متفرقة في العمق والجنوب اللبناني.
ويرى الرئيس جوزيف عون أن الحل الوحيد والناجع للوضع المتأزم الذي يعيشه لبنان يكمن في تحقيق وقف شامل لإطلاق النار أولاً، تعقبه فوراً جلسات مفاوضات مباشرة بين الطرفين. وقد أوضح الرئيس أن هذا الطرح يحظى بترحيب دولي واسع، وبدأ يكتسب زخماً إيجابياً في كواليس السياسة الدولية، حيث يُنظر إليه كمخرج واقعي يمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة مدمرة تأكل الأخضر واليابس وتدمر البنى.
نموذج واشنطن وطهران كخريطة طريق
وتستند مبادرة الرئيس اللبناني إلى مبدأ استراتيجي مبتكر يقوم على استنساخ تجربة الاتفاق الأخير الذي جرى بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مؤخراً. تهدف هذه الخطة إلى البدء باتفاق وقف إطلاق نار مؤقت ومحدد زمنياً بمدة أسبوعين، تماماً كما جرى في التفاهمات الأميركية الإيرانية، بحيث يتم استغلال هذه التهدئة كمنصة انطلاق رسمية وجدية للمفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب تحت إشراف قوى دولية ضامنة.
وأشارت المصادر المطلعة إلى أن عملية التفاوض المرتقبة ستكون محصورة تماماً في يد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وذلك من خلال وفد مدني متخصص يمتلك الخبرة الفنية والقانونية اللازمة. ومن المرجح أن يتولى السفير السابق سيمون كرم رئاسة هذا الوفد، نظراً لخبرته السابقة في رئاسة وفد لبنان في لجنة الميكانيزم، مما يعزز الثقة في قدرة الجانب اللبناني على إدارة هذا الملف المعقد بحرفية سياسية عالية.
ويأتي هذا التوجه اللبناني بالتنسيق الوثيق والكامل مع رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام، لضمان وحدة الموقف الرسمي أمام المجتمع الدولي. شددت المصادر الرسمية على ضرورة أن يكون وقف إطلاق النار المقترح جدياً وملزماً لكافة الأطراف، مع ضمان التزام إسرائيل الكامل به دون أي خروقات ميدانية، وذلك لتجنب تكرار السيناريوهات السابقة الفاشلة التي شهدها اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه قديماً.
وفيما يخص تشكيل الوفد المفاوض، تدور نقاشات حادة حول تمثيل مختلف المكونات الطائفية اللبنانية لضمان توافق وطني عريض حول المخرجات المتوقعة. ورغم تحفظات بعض الأطراف، لاسيما المكون الشيعي الممثل برئيس مجلس النواب نبيه بري، إلا أن السلطة التنفيذية ترى أن الأولوية القصوى الآن هي لتحقيق الهدنة الإنسانية والعسكرية أولاً، ومن ثم الشروع في تفاصيل العملية التفاوضية المباشرة التي تضمن حقوق المواطنين المشروعة.
وقد أثمرت الاتصالات الدبلوماسية المكثفة التي أجراها رئيس الجمهورية اللبنانية غداة التصعيد العسكري الكبير ظهر الأربعاء عن نتائج إيجابية ملموسة. وكان الاتصال مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون محورياً في حشد الدعم الدولي لمبادرة التفاوض المباشر، حيث أكدت باريس دعمها الكامل لسيادة لبنان وحقه في الدفاع عن نفسه بالطرق الدبلوماسية، معربة عن استعدادها لتسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة لإنهاء المأساة الإنسانية.
تحركات دبلوماسية في واشنطن والسيطرة على السلاح
وبالتوازي مع هذه المساعي، يترقب الشارع اللبناني نتائج الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة نواف سلام إلى العاصمة الأميركية واشنطن الأسبوع المقبل. سيتضمن جدول لقاءات سلام اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية، حيث سيسعى لبنان للحصول على ضمانات دولية بوقف العدوان وتوفير غطاء سياسي للمفاوضات المباشرة، بالإضافة إلى طلب مساعدات إنسانية واقتصادية عاجلة لمواجهة تداعيات الحرب المدمرة التي تفتك بالمدنيين.
وفي خطوة داخلية جريئة، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام ضرورة المباشرة الفورية في تعزيز سيطرة الدولة اللبنانية على محافظة بيروت الكبرى. شدد سلام على أهمية حصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية فقط، مؤكداً أن بيروت يجب أن تكون مدينة منزوعة السلاح لضمان أمن سكانها واستقرارها، وهي رسالة واضحة للمجتمع الدولي والداخل اللبناني بأن الدولة عازمة على بسط سلطتها الكاملة والنهائية قريباً.
ولم تكتفِ الحكومة اللبنانية بالتحركات السياسية، بل قررت التقدم بشكوى عاجلة وموثقة إلى مجلس الأمن الدولي ضد إسرائيل. تتضمن الشكوى تفاصيل دقيقة حول الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والممنهجة التي طالت المدنيين والبنية التحتية، معتبرة أن هذه الأعمال تشكل خرقاً صارخاً للقوانين الدولية والسيادة اللبنانية، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ تدابير رادعة لوقف هذه الانتهاكات المستمرة التي تسببت في كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية العنيفة التي تشنها قوات الاحتلال على القرى والبلدات في لبنان. وقد سجلت الإحصائيات الرسمية أرقاماً مفجعة للضحايا، حيث تجاوز عدد القتلى حتى الآن 1700 شهيد، بينما فاق عدد الجرحى 4 آلاف شخص. هذه الأرقام تعكس حجم المعاناة التي يعيشها الشعب اللبناني، وتؤكد على الحاجة الملحة لوقف العمليات العسكرية فوراً دون أي قيد مسبق.
وأفادت وزارة الصحة اللبنانية في أحدث حصيلة لها صدرت يوم الخميس، بأن موجة الغارات الإسرائيلية الكثيفة التي وقعت يوم الأربعاء كانت الأكثر دموية. أسفرت تلك الغارات عن مقتل أكثر من 300 شخص وإصابة ما لا يقل عن 1150 آخرين في يوم واحد فقط، مما وضع النظام الصحي اللبناني المنهك أصلاً أمام تحديات هائلة لا يمكن مواجهتها دون تدخل دولي عاجل لتوفير الإمدادات الطبية اللازمة.
تحديات الوفاق الوطني والآفاق المستقبلية
إن إصرار الدولة اللبنانية على سلوك طريق التفاوض المباشر يعبر عن رغبة حقيقية في إنقاذ ما تبقى من مقومات الدولة. يواجه لبنان تحديات داخلية صعبة تتمثل في ضرورة تحقيق إجماع وطني حول شكل ومضمون التفاوض، إلا أن ضغط الدماء والدمار يدفع الجميع نحو التفكير في حلول واقعية، تضمن خروج البلاد من هذه الأزمة بأقل قدر ممكن من الخسائر الإضافية في الأرواح والممتلكات.
ومع اقتراب موعد المفاوضات المحتملة، تظل الأنظار شاخصة نحو تل أبيب ومدى جديتها في تنفيذ ما أعلنه نتنياهو حول الرغبة في السلام. يدرك لبنان أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود، وأن الشيطان يكمن في التفاصيل التقنية للاتفاقات، لكنه يراهن على الدعم الفرنسي والأميركي لضمان الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق نار مستدام، ينهي عقوداً من المواجهات الدامية التي أنهكت كاهل الدولة والشعب الصامد في الجنوب.
إن محاكاة نموذج الاتفاق الأميركي الإيراني في الساحة اللبنانية يمثل ذكاءً دبلوماسياً يسعى لاستغلال النجاحات الدولية السابقة وتطبيقها محلياً. يطمح لبنان أن تؤدي هذه الاستراتيجية إلى خلق مناخ من الثقة المتبادلة، يسمح بترسيم نهائي للحدود البرية وحل كافة القضايا العالقة، مما يفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار الاقتصادي والنمو الذي يحتاجه اللبنانيون بشدة بعد سنوات طويلة من الأزمات المالية والسياسية المتلاحقة.
تظل المبادرة اللبنانية هي بصيص الأمل الوحيد في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق الذي يشهده الإقليم حالياً. إن قدرة لبنان على إدارة هذا الملف المعقد بحكمة وتوازن ستحدد ملامح مستقبله لسنوات طويلة قادمة، فإما النجاح في فرض وقف إطلاق نار يؤسس لسلام عادل وشامل، وإما استمرار دوامة العنف التي تهدد بانهيار كامل للمؤسسات الرسمية، وهو ما يسعى العالم لتجنبه بكل الطرق.


















0 تعليق