في خطوة تصعيدية تعكس حجم التوتر الأمني في المنطقة أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن رصد مكافأة مالية ضخمة تصل قيمتها إلى عشرة ملايين دولار مقابل الحصول على معلومات دقيقة تؤدي إلى تحديد موقع أحمد الحميداوي الذي يشغل منصب الأمين العام لتنظيم كتائب حزب الله في العراق بهدف تحجيم نفوذ هذا الفصيل المسلح الذي تعتبره واشنطن تهديدا مباشرا لمصالحها الحيوية واستقرار الدولة العراقية.
حسب برنامج مكافآت من أجل العدالة التابع للخارجية الأميركية فإن هذا الإعلان ترافق مع نشر أول صورة واضحة ومسربة لوجه الحميداوي الذي ظل لسنوات طويلة بعيدا عن عدسات الكاميرات والأنظار العامة حيث تتهم الإدارة الأميركية هذا القيادي بالمسؤولية المباشرة عن سلسلة طويلة من الهجمات الممنهجة التي استهدفت المنشآت الدبلوماسية والقواعد العسكرية في مختلف أنحاء البلاد خلال الفترات الماضية.
وتؤكد التقارير الرسمية الصادرة من واشنطن أن الحميداوي متورط في عمليات معقدة شملت اختطاف مواطنين أميركيين وتهديد حياة مدنيين عراقيين مما يجعله أحد أكثر الشخصيات المطلوبة للعدالة الدولية في الوقت الراهن حيث تراهن الولايات المتحدة على أن هذه المكافأة المالية ستدفع بعض المقربين أو المطلعين على تحركاته السرية للإدلاء ببيانات تنهي حالة الغموض التي تغلف حياته المهنية والشخصية منذ وقت طويل.
الصورة الأولى وغموض النشأة
يعتبر ظهور صورة أحمد محسن فرج الحميداوي المعروف بلقب أبو حسين الحميداوي حدثا استخباراتيا بارزا كونها المرة الأولى التي يتم فيها كشف ملامحه منذ تأسيس تنظيم كتائب حزب الله العراقي في عام ألفين وسبعة حيث نجح هذا الرجل في البقاء داخل الظل طوال عقد ونصف من الزمن معتمدا على شبكة أمان معقدة حالت دون وصول أي جهة إعلامية أو أمنية إلى تفاصيل شكله الحقيقي.
وتشير البيانات المتوفرة في سجلات المتابعة إلى أن الحميداوي ولد في العاصمة بغداد عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين وسط عائلة تنحدر أصولها من محافظة ميسان الواقعة في جنوب العراق والتي يعتقد أنها هاجرت إلى العاصمة خلال منتصف القرن الماضي بحثا عن فرص العيش والاستقرار مما منحه خلفية اجتماعية قوية مكنته من بناء علاقات واسعة داخل الأوساط السياسية والميدانية التي شكلت نواة صعوده القيادي.
وعلى الرغم من ندرة المعلومات الموثقة حول طفولته وبداية انخراطه في العمل المسلح إلا أن المحللين يشيرون إلى أن صعوده في الهيكل التنظيمي جاء نتيجة قدرات إدارية وميدانية فائقة أدت في النهاية إلى تسلمه قيادة كتائب حزب الله خلفا لقادة سابقين حيث استطاع خلال فترة وجيزة تعزيز القوة العسكرية للفصيل وزيادة قدراته الهجومية واللوجستية في مواجهة القوات الأجنبية المتواجدة على الأراضي العراقية.
إمبراطورية الظل والنفوذ العائلي
يتجاوز نفوذ الحميداوي كونه مجرد قائد عسكري بل يمتد ليشمل بناء إمبراطورية عائلية تسيطر على مفاصل حيوية داخل الجماعة حيث تشير التحليلات الأمنية إلى أن أشقاءه يشغلون مناصب رفيعة وحساسة في الهيكل القيادي مما يمنحه سيطرة مطلقة وقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية دون معارضة داخلية تذكر مع ضمان الولاء التام من الدوائر المقربة التي تدير الملفات المالية والعسكرية للفصيل.
ومن أبرز المعلومات التي تداولتها التقارير الاستخباراتية مؤخرا هو الاعتقاد السائد بأن نجله زيد الحميداوي قد يكون هو الشخصية الغامضة التي تقف وراء حساب أبو علي العسكري على منصة إكس والذي يشتهر بنشر البيانات الرسمية والتهديدات المباشرة ضد الخصوم مما يوضح كيف يتم توظيف الأبناء والأقارب في إدارة الحرب النفسية والإعلامية التي يمارسها تنظيم كتائب حزب الله ببراعة شديدة.
هذا التداخل بين الروابط العائلية
والمهام التنظيمية خلق حصانة فريدة للحميداوي وجعل من الصعب اختراق الحلقة الضيقة المحيطة به حيث يعتمد في إدارته على الثقة المطلقة والسرية التامة في نقل الأوامر وتنفيذ العمليات الميدانية مما يفسر سبب فشل المحاولات السابقة في تعقبه أو الوصول إليه رغم الرقابة التقنية والبشرية المكثفة التي تفرضها الأجهزة الاستخباراتية الدولية والمحلية في العراق.
التدابير الأمنية ورهانات الملاحقة
يرى مراقبون مطلعون على شؤون الفصائل أن الحميداوي يطبق بروتوكولات أمنية صارمة جدا تجعله يبتعد تماما عن استخدام الهواتف النقالة أو أي أجهزة إلكترونية قد تعرضه للتتبع الرقمي من قبل الطائرات المسيرة أو الأقمار الصناعية حيث يعتمد حصريا على المراسلات الورقية والرسل الموثوقين لنقل التوجيهات إلى قادة الوحدات الميدانية التابعة لتنظيم كتائب حزب الله في مختلف القطاعات العسكرية.
وتؤكد المصادر المقربة من دوائر الحشد أن زعيم الفصيل يتنقل بشكل دائم ولا يستقر في مكان واحد لأكثر من ساعات قليلة وسط حماية أمنية لا تعرفها إلا حلقة ضيقة جدا من المساعدين الذين تم اختيارهم بعناية فائقة وتدريبهم على مواجهة السيناريوهات الطارئة مما يجعل من عملية رصد تحركاته تحديا كبيرا يتطلب معلومات استخباراتية بشرية من داخل الهيكل التنظيمي نفسه.
إن إعلان المكافأة الأميركية يمثل ضغطا نفسيا كبيرا ويهدف إلى زعزعة الثقة داخل صفوف المقربين منه خاصة بعد نشر الصورة التي نزعت عنه قناع التخفي وأظهرت وجهه للعالم مما يفتح الباب أمام احتمالات غدر أو وشاية قد تؤدي في النهاية إلى إنهاء مسيرته ووقف العمليات التي يقودها تنظيم كتائب حزب الله والتي تصفها واشنطن بأنها أعمال إرهابية تقوض السيادة الوطنية العراقية.

















0 تعليق