شن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا هجوماً دبلوماسياً كاسحاً ضد توجهات الإدارة الأمريكية الحالية في مقابلة موسعة مع صحيفة إلباييس الإسبانية الصادرة صباح الخميس. وأكد لولا أن العالم يحتاج إلى قادة يسعون لنيل الاحترام عبر الحوار بدلاً من فرض القوة بالترهيب، مشدداً على أن سيادة الدول ليست ملكاً لمن يملك السلاح وحده. وأبدى الرئيس البرازيلي قلقه البالغ من التهديدات العسكرية التي تطلقها واشنطن ضد عدة دول حول العالم.
صراع الإرادات بين برازيليا وواشنطن
وحسب تقرير لصحيفة إلباييس الإسبانية، فإن لولا دا سيلفا يرى أن استيقاظ الرئيس الأمريكي كل صباح ليهدد دولة ما بمحو حضارتها هو سلوك خارج عن حدود العقل والمنطق. واعتبر الرئيس البرازيلي أن هذه التهديدات العلنية التي أطلقت في أبريل تستهدف تقويض السلم الدولي بشكل غير مسبوق. وأوضح أن الدستور الأمريكي والشرعية الدولية لا يمنحان أي زعيم الحق في ممارسة هذا النوع من الغطرسة السياسية.
وانتقد لولا بشدة ما وصفه باللعبة المغلوطة في السياسة الخارجية التي تتبعها واشنطن، مؤكداً أن الاستقواء بالنمو الاقتصادي والعسكري لا يعطي الحق في صياغة القواعد العالمية منفرداً. وأشار الرئيس البرازيلي إلى أن المجتمع الدولي يرفض العودة إلى زمن الهيمنة المطلقة، حيث يجب أن تحكم العلاقات الدولية مبادئ التكافؤ والعدالة. وحذر من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تمزيق النسيج الدبلوماسي الذي يربط شعوب العالم.
تحالفات اليسار في مواجهة البيت الأبيض
وفي سياق تحركاته الدولية، يتوجه الرئيس البرازيلي إلى مدينة برشلونة غداً الجمعة لعقد اجتماع قمة مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لتعزيز جبهة الرفض لتلك السياسات. ويشترك الزعيمان في خلفيتهما اليسارية وانتقادهما اللاذع لأسلوب الرئيس الأمريكي في إدارة الملفات الدولية الساخنة. ويهدف هذا اللقاء إلى تنسيق المواقف الأوروبية واللاتينية لمواجهة أي تصعيد عسكري محتمل قد يجر العالم إلى صراعات مدمرة لا تنتهي.
ويرى لولا أن أصحاب النفوذ الحقيقيين في هذا العالم تقع على عاتقهم مسؤولية أخلاقية كبرى تتجاوز حدود دولهم، وهي الحفاظ على السلام العالمي بكل السبل. وأوضح الرئيس البرازيلي أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على نزع فتيل الأزمات لا في إشعالها، مؤكداً أن لغة التهديد لا تصنع قادة تاريخيين. وطالب بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد لحل الخلافات العميقة بين القوى العظمى والدول النامية.
الموقف من التصعيد العسكري ضد طهران
وفيما يخص الملف الإيراني، استنكر لولا بشدة التلويح بمحو الحضارة الإيرانية في سياق المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، معتبراً ذلك جريمة بحق الإنسانية جمعاء. وأكد الرئيس البرازيلي أن التهديد بتدمير حضارات ضاربة في القدم هو حديث لا يجب أن يصدر عن قادة دوليين مسؤولين. ودعا المجتمع الدولي إلى التصدي لهذه النبرة العدائية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الحكمة السياسية المطلوبة في هذا الوقت.
وشدد لولا على أن حماية المدنيين والحفاظ على الإرث البشري هو واجب مقدس يجب ألا يخضع للمزايدات العسكرية أو الانتخابية في أي بلد كان. ويرى الرئيس البرازيلي أن العالم لا يمكنه الصمت أمام احتمال اندلاع حرب إقليمية شاملة في الشرق الأوسط بسبب قرارات متهورة. وأضاف أن التاريخ لن يرحم أولئك الذين اختاروا مسار الدمار بدلاً من مسار البناء والحوار البناء بين الثقافات المتنوعة.
الأزمة الفنزويلية والتدخلات الخارجية
وانتقل لولا في حديثه إلى الشأن الفنزويلي، معبراً عن صدمته من العملية العسكرية التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في كراكاس وأسفرت عن القبض على نيكولاس مادورو. وطالب الرئيس البرازيلي بضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة في فنزويلا تضمن للشعب تقرير مصيره بنفسه بعيداً عن التدخلات الخارجية العنيفة. وأكد أن فرض الديمقراطية عبر القوة المسلحة هو تناقض صارخ يقوض شرعية أي عملية سياسية مستقبلية في المنطقة.
واختتم لولا حديثه بالتأكيد على أنه يفضل دائماً أن يُنظر إليه كزعيم يحظى بالاحترام بدلاً من أن يكون مهاباً بسبب الخوف أو التهديد. وشدد الرئيس البرازيلي على أن البرازيل ستظل دائماً صوتاً للعقل والاعتدال في بيئة دولية مشحونة بالتوترات والصدامات. وأمل في أن يراجع قادة العالم سياساتهم بما يخدم رفاهية الشعوب واستقرار النظام العالمي بعيداً عن لغة الحروب التي لا رابح فيها.


















0 تعليق