سادت حالة من الذهول في أروقة البورصات العالمية مع بزوغ فجر الجمعة، حيث سجلت أسعار النفط انخفاضاً مدوياً كسر حاجز التوقعات السابقة التي كانت تتنبأ باستمرار الاشتعال. وبدأت رحلة الهبوط الحر بمجرد تسرب الأنباء الرسمية من العاصمة الإيرانية طهران حول إنهاء الإغلاق الملاحي في أهم شريان مائي للطاقة في العالم.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة هائلة تجاوزت العشرة بالمئة، لتهبط من مستويات المئة دولار وتستقر عند تخوم 89 دولاراً للبرميل الواحد، مما يعكس استجابة فورية وحادة لزوال شبح الانقطاع الدائم للإمدادات.
انفراجة هرمز تزلزل عرش أسعار النفط والوقود
حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" ووكالات الأنباء، فإن إعلان إيران إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل لما تبقى من فترة وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة كان المحرك الأساسي لهذا التراجع. ولم يقتصر الهبوط على خام برنت فحسب، بل امتد ليشمل خام غرب تكساس الوسيط الذي هوى بنسبة 11.11 بالمئة ليصل إلى مستويات 84.17 دولاراً. وتعكس هذه الأرقام رغبة الأسواق في التخلص من "علاوة المخاطر" التي تضخمت خلال أسابيع المواجهة العسكرية المباشرة التي عطلت خمس إمدادات الطاقة العالمية وتسببت في قلق دولي غير مسبوق.
ترمب يبشر بقرب نهاية صراع الطاقة الكبير
تلقفت الدوائر السياسية في واشنطن هذه التطورات بترحيب حذر لكنه متفائل، حيث خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتصريحات قوية أكد فيها أن الجانبين باتا قريبين جداً من صياغة اتفاق نهائي. وكشف ترمب للصحافيين أمام البيت الأبيض عن عرض إيراني يتضمن عدم حيازة أسلحة نووية لأكثر من عقدين من الزمان كبادرة حسن نية لتفكيك الأزمة. ويراهن ترمب على هذا التقدم لإنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، مؤكداً أن فتح المضيق يمثل الخطوة العملية الأولى نحو استقرار سوق النفط وتأمين الاقتصاد العالمي من الانهيار.
عقبات ديبلوماسية في طريق السلام الشامل
بالتوازي مع هذه التحركات، ما زالت العمليات العسكرية في لبنان تشكل حجر عثرة أمام الوصول إلى تسوية نهائية وشاملة تضمن هدوءاً مستداماً في أسواق النفط العالمية. ونقلت تقارير عن مصادر إيرانية أن المفاوضين من الطرفين اضطروا لخفض سقف توقعاتهم، والتركيز حالياً على توقيع مذكرة تفاهم مؤقتة تمنع عودة الصدام المسلح. ويهدف هذا التوجه المرحلي إلى ضمان تدفق الخام وحماية ممرات الملاحة بانتظار نضوج الظروف السياسية لاتفاق أوسع يشمل كافة الملفات الإقليمية العالقة، وهو ما يراقبه المستثمرون بانتظار أي إشارة سلبية قد تعيد الأسعار للارتفاع.
توقعات قاتمة لتعافي إمدادات النفط والغاز
أدلى مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول بتصريحات لافتة لصحيفة "نويه تسوريشر تسايتونج"، أوضح فيها أن العودة لمستويات الإنتاج السابقة للحرب ستستغرق وقتاً طويلاً قد يصل لعامين. وأشار بيرول إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في دول مثل العراق تتطلب جهوداً جبارة لإصلاحها مقارنة بدول أخرى كالسعودية. وأكد أن السوق كانت تستهين بخطورة إغلاق مضيق هرمز، محذراً من أن الفجوة في الإمدادات الآسيوية بدأت تظهر بوضوح الآن نتيجة توقف تحميل الناقلات خلال شهر مارس الماضي، مما يضع سوق النفط في حالة ترقب.
تحرك دولي حازم لحماية استقرار الطاقة
رداً على التحديات الراهنة، أكد فاتح بيرول أن وكالة الطاقة الدولية تضع خيار السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية للطوارئ على الطاولة كإجراء رادع لأي نقص مفاجئ. وأوضح أن الوكالة مستعدة للتحرك فوراً وبكل حزم كما فعلت في المرات السابقة لضمان عدم حدوث قفزات جنونية في الأسعار تهدد النمو الاقتصادي العالمي. ورغم أن الوضع الحالي يشهد تراجعاً في الأسعار، إلا أن الوكالة تراقب عن كثب مدى التزام الأطراف بفتح المضيق، معتبرة أن استقرار سوق النفط يعتمد كلياً على استمرار الملاحة دون تهديدات عسكرية.
مستقبل الطاقة بين التفاؤل السياسي والواقع التقني
تظل أسواق الطاقة العالمية معلقة بين مطرقة التحذيرات التقنية لوكالة الطاقة وسندان الوعود السياسية التي يطلقها البيت الأبيض حول قرب انتهاء الأزمة. إن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب ليست مجرد قرار سياسي بفتح ممر مائي، بل هي عملية فنية معقدة تتطلب استثمارات ضخمة وزمنًا طويلاً للتعافي. ومع ذلك، فإن هبوط أسعار النفط اليوم يمنح المستهلكين حول العالم جرعة من الأمل، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج ملموسة على طاولة المفاوضات التي يقودها جوفمان وفريقه الدبلوماسي لإنهاء هذا الصراع الطويل.
















0 تعليق