شهدت بكين قمة تاريخية باستقبل الرئيس شي جين بينغ نظيره الأميركي دونالد ترامب في زيارة عكست رغبة مشتركة في إنهاء سنوات من التوتر التجاري والسياسي، حيث دعا ترامب الزعيم الصيني لزيارة واشنطن في سبتمبر المقبل وسط أجواء من التفاؤل والود المتبادل، وقد تضمنت المباحثات ملفات شائكة وحساسة مثل أمن الطاقة ومضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني وتوسيع نفوذ الشركات الأميركية في الأسواق الصينية المتعطشة.
هيمنت أجواء من الإيجابية المطلقة على اللقاء الذي جمع ترامب مع شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى، إذ أكد الرئيس الأميركي أن العلاقات بين البلدين هي الأكثر أهمية في تاريخ العالم المعاصر، مشيداً بالاستقبال الحافل الذي وصفه بأنه لا مثيل له، بينما رد الرئيس الصيني بالتأكيد على أن نهضة بلاده وشعار "لنجعل أميركا عظيمة" يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب دون صدام.
استراتيجيات الطاقة واتفاقيات مضيق هرمز
كشف مسؤولون في البيت الأبيض أن ترامب نجح في انتزاع توافق استراتيجي مع الجانب الصيني بشأن ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية لضمان تدفق إمدادات الطاقة العالمية، كما اتفق الزعيمان على منع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل نهائي، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في الموقف الصيني الذي أبدى اهتماماً متزايداً بشراء النفط الأميركي لتقليل الاعتماد الكلي على المسارات البحرية المضطربة في الشرق الأوسط.
أوضح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن ترامب ناقش مع شي إمكانية توريد النفط من حقول ألاسكا كخيار طبيعي واقتصادي للصين، وهو ما يعزز أمن الطاقة لبكين ويدعم قطاع الطاقة الأميركي في آن واحد، ورغم غياب هذه التفاصيل عن البيانات الرسمية الصينية إلا أن واشنطن أكدت أن بكين ستفعل كل ما في وسعها لضمان استقرار الممرات المائية الحيوية، مما يشير إلى تعاون أمني واقتصادي غير مسبوق بين القطبين الكبيرين.
صفقات مليارية وخفض الرسوم الجمركية
أعلن وزير الخزانة الأميركي أن إدارة ترامب تعمل حالياً مع بكين على خطة طموحة لخفض الرسوم الجمركية على منتجات تجارية متبادلة بقيمة ثلاثين مليار دولار في قطاعات غير حيوية كخطوة أولى لبناء الثقة، ويهدف هذا التوجه إلى تقليص قائمة المشكلات التجارية وتعزيز وصول الشركات الأميركية الكبرى إلى الأسواق الصينية، مع التركيز على زيادة المشتريات الصينية من المنتجات الزراعية الأميركية التي تمثل ركيزة أساسية في سياسة ترامب الاقتصادية.
في سياق متصل اجتمع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ مع وفد من كبار قادة الأعمال الأميركيين المرافقين للرئيس ترامب ومن بينهم إيلون ماسك وتيم كوك وجينسن هوانغ لحثهم على المساهمة في الحفاظ على علاقات صحية ومستقرة، وشدد المسؤول الصيني على أن التعاون بين أكبر اقتصادين في العالم يتطلب تحرك الحكومات والقطاع الخاص معاً نحو هدف مشترك، معتبراً أن نجاح الشركات الأميركية في الصين هو جزء من نجاح الاقتصاد الصيني وتطوره.
مأدبة تاريخية وقواسم ثقافية مشتركة
خلال مأدبة الغداء الرسمية التي أقيمت في قاعة الشعب الكبرى استعرض ترامب محطات تاريخية تربط الشعبين منذ تأسيس الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن أول قنصل أميركي وصل إلى سواحل الصين عام 1784، وأكد الرئيس الأميركي أن هناك الكثير من القواسم المشتركة التي تجمع المواطنين في البلدين مثل عشق كرة السلة والعمل الجاد وتقدير العائلة، معتبراً أن عدد المطاعم الصينية في أمريكا يجسد عمق هذا التداخل الثقافي الفريد.
تضمنت قائمة الطعام الفاخرة أطباقاً صينية كلاسيكية صممت خصيصاً لتناسب ذوق ترامب الشخصي وشملت جراد البحر في حساء الطماطم وبط بكين المشوي وسلمون مطهو ببطء مع صلصة الخردل، وقد سادت القاعة أجواء احتفالية بوجود زينة زهرية ومجسمات معمارية صينية تقليدية، بينما ارتدت المضيفات زي التشيباو الأحمر، مما عكس حرص بكين على تقديم صورة مبهرة للولايات المتحدة تؤسس لمرحلة جديدة من الصداقة الشخصية بين الزعيمين.
التوازن السياسي ومستقبل مضيق تايوان
أكدت وزارة الخارجية الصينية استعدادها لترجمة التوجه الجديد الذي يقوده ترامب وشي جين بينغ إلى خطوات عملية ملموسة تضمن السلام والاستقرار في منطقة مضيق تايوان، واعتبرت بكين أن الحفاظ على الوضع الراهن يمثل القاسم المشترك الأكبر بين واشنطن وبكين في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن المسؤولية التاريخية تفرض على الدولتين الارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه ثمانية مليارات نسمة حول العالم يعتمدون على استقرار هذه العلاقة.
من جانبها تابعت حكومة تايوان تفاصيل القمة بين ترامب والزعيم الصيني عن كثب مؤكدة تواصلها المستمر مع الإدارة الأميركية لضمان عدم وجود مفاجآت سياسية تضر بمصالحها، وطالب المتحدث باسم الحكومة التايوانية الصين بضرورة وقف الترهيب العسكري ومراجعة سياساتها تجاه الجزيرة، معتبراً أن السلام الإقليمي هو الهدف الأسمى الذي يجب أن تسعى إليه القوى العظمى في ظل التغيرات والاضطرابات الدولية المتسارعة التي يشهدها العالم حالياً.














0 تعليق