واجه وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس موجة من الهتافات الغاضبة والاضطرابات المفاجئة من قِبل مجموعة من المتظاهرين الذين اقتحموا الاحتفال الشعبي بيوم المحاربين القدامى الوطني في العاصمة برلين تعبيراً عن رفضهم القاطع لخططه الرامية إلى إعادة تطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية في ألمانيا حيث شهدت الساحة المقابلة لمبنى البرلمان الاتحادي توتراً ملحوظاً أدى إلى تدخل فوري من قوات الأمن للسيطرة على الموقف المتأزم وسط صيحات استهجان من الجمهور الحاضر.
وحسب تقرير لوكالة الأنباء الألمانية فقد نجح نحو اثني عشر متظاهراً يرتدون قمصاناً ملطخة برمزية اللون الأحمر في اختراق الحواجز وترديد هتافات مناهضة لسياسات التجنيد مثل لا للخدمة العسكرية الإلزامية مجدداً حاملين لافتات تدعو إلى مستقبل خالٍ من الحروب مما تسبب في إيقاف كلمة الوزير المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي لعدة دقائق قبل أن تتحرك الشرطة بحزم لاقتياد المحتجين بعيداً عن الساحة الرسمية.
وتعامل الوزير بيستوريوس مع الموقف بهدوء سياسي لافت حيث علق مباشرة على الهتافات معتبراً أن أحد الشعارات الأساسية التي يتبناها الجيش في ألمانيا يكمن في القتال من أجل منح المعارضين الحق في التعبير عن آرائهم بحرية وهو الرد الذي حظي بتصفيق حاد من الحاضرين الذين استنكروا تشويه الفعالية الوطنية التي تهدف أصلاً لتكريم الجنود وتثمين تضحياتهم.
وكان المسؤول الحكومي البارز قد استبق الحادثة بالتشديد على الدعم الواسع الذي تحظى به القوات المسلحة من السياسيين والمجتمع باعتبارها مؤسسة خاضعة للرقابة البرلمانية المباشرة في ألمانيا مؤكداً أن كل من استعد أو يستعد حالياً للدفاع عن أمن البلاد وحريتها بروحه وجسده يستحق التقدير الكامل والاحترام المتبادل من كافة أطياف الشعب بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية.
واندلعت الشرارة الأولى للاحتجاج السلمي الذي تحول إلى فوضى عارمة عندما كان الوزير يهم بالحديث المباشر وتكريم أحد الجنود الألمان الذين قُلدوا وسام الشجاعة الرفيع مما أثار حفيظة الجمهور الذي رد بقوة عبر صيحات استهجان جماعية ضد المتظاهرين تنديداً بتوقيت وطريقة الاحتجاج التي اعتبروها غير مناسبة لتكريم أبطال الجيش في ألمانيا.
وأفادت المتحدثة الرسمية باسم شرطة برلين في تصريحات لاحقة بأنه لم يتم حتى الآن تصنيف المتظاهرين ضمن أي جماعة سياسية أو أيديولوجية محددة بدقة مشيرة إلى أن السلطات الأمنية أصدرت أوامر فورية بمغادرة الموقع وحظر التواجد فيه مجدداً إلى جانب تحرير بلاغات رسمية وتوجيه تهم جنائية تتعلق بالتعدي غير المشروع على حرمة المكان العام المقررة للفعالية.
مساعي ألمانيا لتكريم الجنود وتحديات التجنيد الإجباري
وتسعى الحكومة في ألمانيا من خلال هذه المناسبات الوطنية إلى تعزيز الروابط بين المجتمع والمؤسسة العسكرية حيث استحدثت البلاد العام الماضي فقط فعالية يوم المحاربين القدامى الوطني ليكون حدثاً سنوياً ثابتاً يُقام في عطلة نهاية الأسبوع التي تسبق أو تلي يوم الخامس عشر من شهر يونيو من كل عام لتكريم إنجازات الجنود الحاليين والسابقين.
ويشمل التصنيف الرسمي المعتمد في ألمانيا كـ محارب قديم كل جندي أو جندية سواء كان ما يزال في الخدمة الفعلية أو غادرها لأي سبب كان شريطة أن يكون قد أنهى خدمته العسكرية بشكل مشرف ونزيه دون ارتكاب أي مخالفات قانونية أو عسكرية جسيمة تمنعه من نيل هذا الشرف الوطني الرفيع.
وتواجه الخطة الحكومية لإعادة التجنيد جدلاً مجتمعياً واسعاً في ألمانيا بين تيار يرى الضرورة القصوى لبناء قوة ردع عسكرية قوية في ظل التوترات الإقليمية الراهنة وتيار آخر يخشى العودة إلى عسكرة المجتمع ويفضل التركيز على الحلول الدبلوماسية والسلام المستدام مما يفسر حدة الاحتجاجات الأخيرة التي طالت وزير الدفاع في قلب برلين.
وتكشف هذه الحادثة عمق الانقسام السياسي حول العقيدة الدفاعية الجديدة في ألمانيا حيث تحاول السلطات جاهدة الموازنة بين مقتضيات الأمن القومي الملحة التي تفرضها التحولات الجيوسياسية العالمية وبين الحفاظ على المبادئ الديمقراطية وحرية التعبير التي تشكل النواة الأساسية للدولة الاتحادية المعاصرة وحق مواطنيها في رفض السياسات العسكرية الإلزامية.
وعلى الرغم من الاضطرابات المقلقة استمرت فعاليات اليوم الوطني بنجاح حيث تعهدت القيادات السياسية بمواصلة دعم وتطوير القدرات الدفاعية في ألمانيا مع فتح قنوات الحوار المجتمعي لشرح أبعاد القرارات الاستراتيجية القادمة المتعلقة بالتعبئة العامة وسد العجز في الصفوف العسكرية لمواجهة التحديات الأمنية المستجدة التي تحيط بالقارة الأوروبية.
وينظر الخبراء إلى رد فعل الوزير بيستوريوس كرسالة طمأنة واضحة تؤكد أن التوجهات العسكرية الجديدة في ألمانيا لن تكون على حساب الحريات المدنية بل لحمايتها وترسيخها مما يجعل النقاش حول الخدمة الإلزامية اختباراً حقيقياً لصلابة الديمقراطية الألمانية وقدرتها على استيعاب الأصوات المعارضة والمؤيدة على حد سواء في المستقبل القريب.


















0 تعليق