نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ڤينوس فؤاد تكتب: تلقائية "الجندي" تتجسد في "أحلام زيزو", اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 12:37 صباحاً
لو سألت نفسك ماذا لو كنت طفلًا؟ ستكون الإجابة غالبًا: لقمت بما أفكر فيه فورًا وبدون أي قيود، ولعبرت بكل جوارحي، ولأصبحت العب في كلحين، ولسبحت بخيالي بلا حدود فنسجت قصصًا من بنات أفكاري ليست من الواقع، واخترعت شخصيات لن نجدها إلا في عالم الأحلام، فأحكيها وأرسمها وأصدقها.... ولبالغت بكل وسائل التعبير وبكل الحواس، بصوت عالٍ يدوي في الآفاق... بخطوط والوان صاخبة في سرعة أخاذة.
بتلك العبارات البسيطة وصف الفنان الدكتور عبد العزيز الجندي معرضه في مقدمة الكتالوج الخاص به، فلم أجد أنا أيضا افضل منها لأبدأ بها حديثي عن ذلك المعرض المبهج الفريد "أحلام زيزو".
في الوهلة الأولى لدخولي المعرض وجدت البهجة تستقبلني وتأخذ بيدي وتدعوني لأتنقل بين اللوحات اتفحصها، ألعب مع أطفالها، أغني معهما أغاني لا يسمعها أحد سوانا، اتذكر الشوارع التي تربينا فيها ورسمناها في كراسات الرسم بالأقلام الخشبية الملونة، سمعت ضحكات أطفالي في طفولتهم أثناء لهوهم مع اقرانهم وتذكرت العاب الملاهي الشاهقة وصرخات الأطفال الممزوجة بالضحكات البريئة، وجدت حواسي كلها تنتبه لتذكرني برائحة الذكريات وطعم الطفولة وبهجة البراءة وحلاوة البساطة والعفوية.
وجدت لوحات لا يستطيع رسمها إلا طفل صغير، ربما ظننت في بعض اللوحات ان هناك طفل آخر اشترك مع "الجندي" في رسم اللوحات أو شارك في التلوين، أو ربما كان لصاحب تلك اللوحات أخ يكبره بأعوام قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة فهذه اللوحات والموضوعات التي تتناولها لا تصدر إلا عن أطفال في مرحلة الطفولة.
وببساطة إذا عدنا إلى مراحل النمو الفني لدى الأطفال وفق مراجع العلامة الدكتور "شاكر عبد الحميد" رحمه الله، لن تجد في لوحات المعرض سمات تنتمي إلى مرحلة المراهقة أو الشباب، فقط ستجد ملامح فنون الأطفال،ملامح البراءة، الاختزال، التسطيح، اختفاء خط الأرض، تلاشي المنظور، التضخيم والمبالغة في رسم الشخصيات طبقا لأهمية دورها في حياة الطفل "زيزو" بطل الحكايات، فالأب يقترب طوله من طول باب المبنى المجاور له، فيظهر عملاقا بين السيارات التي تضاهي سيارات ألعاب الأطفال في عالمهم المبهج، الشمس تطل بأشعتها الخطية البسيطة، المباني تتزين بالخطوط العفوية غير المنتظمة بصورة زخرفية تلقائية لا تعرف قواعد السيمترية أو التكرار المنتظم.



لم تقتصر لوحات "زيزو" على ملامح مدينة القاهرة وسكانها بل تظهر فيها أيضًا الشخصيات الريفية ذات الجلباب الطويل والعمامة والبيوت القروية كبطل في لوحاته التي عبر عنها بالقص واللصق بالأوراق الملونة، نفس الخامات التي يعبر بها الأطفال عن أحلامهم في حصة الرسم، الألوان مختلطة في بعض أجزاء اللوحات لتضاهي قلة خبرة الأطفال وعدم إتقانهم مهارات التلوين، نرى الناس تسير في الشارع في صفوف على خط واحد مع الاحتفاظ بحق الاب والام فقط في الظهور بحجم اكبر من جميع الأشخاص لأهميتهم في حياة "زيزو" الطفل المتميز.
الألوان والموضوعات
اختار "الجندي" أن يتقمص شخصية "زيزو" وأن يمارس طقوس الأطفال كاملة للتعبير عن ذاتهم دون قيود أو محاذير، فاستخدم كل ما تطاله يده أو يقع في محيط نظره ومكانه من خامات وألوان، ولم يلتفت لاختلاف الخامات أو تنوع الأقلام والألوان بين يديه، فدمج الألوان الفلو ماستر بالألوان المائية مع قصاصات الورق الملون والكرتون فخرجت لوحات بريئة بخامات متعددة، وموضوعات تهوي الأطفال فقط مثل الملاهي واللعب وسط زينة رمضان وسط الشوارع والحارات، ولم ينسَ "زيزو" ارتباط المبالغة في رسوم الأطفال التي تقترب الي فن الكاريكاتير الذي يجيده الفنان "عبد العزيز الجندي" فظهرت لمحات منه علي وجوه ابطال احلام ومغامرات "زيزو" السابحة في فضاء لوحاته متحررة من الارتباط بأرض الواقع مفضلة ان تطير مع الهواء النقي في عالم احلامه البريئة.
كيف تحرر الدكتور عبد العزيز الجندي من القيود الأكاديمية؟
لازال السؤال الذي يسيطر علي وانا اشاهد لوحات المعرض، كيف فعل الاستاذ الدكتور عبد العزيز الجندى الأستاذ في قسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة ذلك ؟ كيف تحرر من القواعد الاكاديمية ؟، كيف تغلب على طبيعته الفنية المطابقة لعمره العقلي وادراكه للأبعاد والمنظور والظل والنور وقواعداستخدام الالوان والخامات ليعود بآلة الزمن خمسون عاما الي الخلف؟ كيفتخلص من لزمات الفنان الاكاديمي الدارس والقائم علي تدريس الفن وقواعده ؟ كيف تقمص شخصية الطفل البرئ بهذا الإتقان ؟
اعتقد ان الإجابة علي تلك الاسئلة هي "براعة الفنان"، ف "الجندي" فنان مصري شغوف اعتاد رصد مشاهد الشارع المصري، يصطحب اصدقاءه وتلاميذه ليجلسوا معا في الشارع كل يوم جمعة ليرسم مع اهل الشارع قبلالفنانين ملامح بيوتهم وحياتهم واحلامهم، اعتاد رصد الملامح والوجوه ،اتقن ادواته الفنية واستطاع في هذا المعرض ان يخلعها وينحيها جانباليكشف عن الطفل "زيزو" القابع بداخله مختفيا عن الانظار، محتفظاببراءته وعفويته، مسيطرا علي تفكيره طوال العمر ليظهر بين حين واخرليعلن عن فنان سيكتب عنه التاريخ وسيكون "زيزو" بطلا لعالم جديد منقصص الاطفال.
مشوار "الجندي"
في بداية حياة "عبد العزيز الجندي" العملية عمل كرسام فى العديد من الصحف والمجلات، كما برع في رسم الأحياء القديمة، ثم تخلص منالاعتناء بالتفاصيل واتجه إلى التحرر واختزال العناصر والاعتماد علىأسلوب أقرب إلى التجريد، ثم زاد من التحرر مع ظهور النضج في اعماله،فتحولت اعماله الي الاهتمام بالكتلة واستقرار التكوين، ثم اتجه الياستخدام الفراغ كعنصر اساسي داخل لوحاته ليعطي متنفسا لعين المتلقي، كما اتجه إلى عتامة الألوان من خلال استخدام خامة الأكريليك والجواش ، ثم استخدام الألوان المائية، كما استخدم "الجندي" الورق اللاصقوالكتابات كنوع من الكولاج الممزوج بالرسم أحيانا وبالالوان تارة اخري،كما كان يستهويه الأحياء الشعبية بكافة تفاصيلها فاطلق علي احد معارضه"يوم الجمعة" ذلك اليوم الذي كان يعشق طقوسه ويخرج فيه للقاء تلاميذهيستمتعون بالفن والصحبة معا، كما اطلق علي بعض لوحاته اسماء من المشاهد الحياتية التي كان يرصدها ولكنها تبدو غريبة مثل "كشك الشاى" و" فى الخمسينة" و" عرائس الظل ".
"الجندى" برع ايضا في رسم الكاريكاتير و كذلك رسم الشخصيات فى الصحف والمجلات منذ ان كان طالبا في كلية الفنون الجميلة التى أصبح استاذا لفن الكتاب فى قسم الجرافيك بها، كما برع "الجندي" في رسم المناظر الطببعية التي عبر عنها بالألوان المائية، كما استلهم من التراث الاسلامي في بعض تفاصيل لوحاته.
"عبد العزيز الجندي" فنان بدأ مشواره الفني باحثا عن الجمال في كل تفاصيل الحياة، محبا للبيئة الشعبية، مولعًا بالتراث العمراني، متشبعًا بالطقوس المصرية الأصيلة، محبا لتلاميذه مشجعا لهم، باحث مجتهد عن الحرية والتجديد معًا، يدقق في ملامح البشر والحجر باحثا عن العلاقة الخفية بينهما، ملون متمكن، عاشق للإنسان بجميع مراحل نموه ومراحل تفكيره، فنان له بصمة خاصة جرئ وبسيط لتظل لوحاته توصف بالسهل الممتنع.
لوحات "الجندي" لها صوت مسموع يحكي تجارب وخبرات وتفاصيل حياةالبشر في عبارات مقتضبة بعيدا عن الاسهاب في تفاصيل مملة، يتنقل فياستخدام الالوان المائية والخشبية والزيتية والجواش بسهولة وفقا لما يتطلبهالمشهد في اللوحة، باختصار انه فنان ذو طبيعة خاصة جدا.



جماعة اللقطة الواحدة
الدكتور "عبد العزيز الجندي" هو فنان تشكيلي مصري بارز وأستاذ بقسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان "جامعة العاصمة حاليا" أسس جماعة "فناني اللقطة الواحدة"، وهي تجمّع فني يهدف إلى التقاط تفاصيل الحياة اليومية ومشاهدها بعفوية طبقا لانطباعات كل فنان، فهو يؤمن بالتفرد في التلقي لنفس المشهد، كما يؤمن بان شخصية الفنان تظهر في اللوحة لتضيف خصوصية لها.
حيث يلتقي مجموعة من الأصدقاء والتلاميذ والهواة صباح كل يوم جمعة في مدينة "القاهرة" يرسمون شوارعها وميادينها وحواريها ؛ يوثقون بيوتها وآثارها، يرصدون بعيون محبة للحياة ملامح الناس والشوارع، الهدف منها هو تشجيع المجتمع علي ممارسة الفن وخروج الفنان من عزلته داخل جدران المرسم إلى الشارع، كما كان الهدف في توحيد المشهد هو أن يبحث كل فنان عن الجمال بأسلوب مختلف لتتجمع صفات الإنسانية داخل اللوحات الحية لتسجل نبض الشوارع والحارات واقام لأعمال تلك المجموعة معرضها الأول في قاعة متحف محمود مختار عام ٢٠٠٩ ويحرص على إقامة معارضها حتى الآن.
تضم الجماعة مجموعة من الفنانين الشباب والخريجين الذين يقومون بجولات ميدانية لرسم معالم مصر المختلفة، مثل ورشة "بلكونة النيل"، كما تحرص،الجماعة علي الزيارات المستمرة للمتاحف والمعالم التراثية، حيث يؤمن "الجندي" بأن الرسم السريع (الاسكتش) قادر على تحرير الكائنات والبوح بأسرارها الفنية بطريقة تعبيرية وواقعية عميقة وأن المشهد الواحد قادر على أن يتغير من لوحة فنان إلى آخر طبقا لهويته وأسلوبه.



"الجندي" متعدد المواهب
اقام الفنان المصري "عبد العزيز الجندي" المولود عام 1968 العديد منالمعارض الفنية التشكيلية التي عرض من خلالها مسيرته الفنية التي قاربت من ال٣٥ عام وكذلك اقام العديد من اعمال الجماعة الفنية التي اسسها،كما قدم العديد من افلام الرسوم المتحركة منها "قهوة المزاج الرايق" وكذلكفيلم "الختم"، كما قام باخراج ٤ افلام هم "مصاصة" و" نيام نيام" و"المروحة" و"احلام سعيدة".
كما عمل كرسام صحفي في العديد من المطبوعات الشهيرة منها مجلات"صباح الخير" و"الاهرام الرياضي" و"كاريكاتير" و"العربي"، وكذلك حصد العديد من الجوائز منها الجائزة البرونزية لمهرجان الاسماعيلية ١٩٩٣، وجائزة المجلس الأعلى للشباب والرياضة عام ١٩٩٧ وكذلك جوائزصالون الشباب في مجال الحفر اعوام ١٩٩٧ و١٩٩٨ و ٢٠٠٠، وكذلك حصد جائزة التصوير من صالون الشباب عام ١٩٩٩.














0 تعليق