البكالوريا والأزهر.. ضرورات الإصلاح ومخاوف التجربة!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
البكالوريا والأزهر.. ضرورات الإصلاح ومخاوف التجربة!, اليوم الأحد 26 يوليو 2026 02:02 مساءً

تطوير التعليم في كل الدول المتقدمة لا يخضع كما هو الحال عندنا لمشيئة كل وزير يتولى أمر الوزارة؛ لكن يتولاه مجلس أعلى للتعليم يضم أفضل الكفاءات علما وخبرة ورؤية ولا سلطان لأحد عليه حتى الوزير نفسه الذي يقتصر دوره على تنفيذ السياسات.


الحديث عن نظام البكالوريا المصرية. لا يزال مثار جدل في النقاش العام إذ لم يعد ذلك النظام مقصورًا على مدارس وزارة التربية والتعليم، بعدما أعلن المجلس الأعلى للأزهر موافقته على تطبيق النظام في المعاهد الأزهرية اعتبارًا من العام الدراسي 2026/ 2027، مع التأكيد على الحفاظ على المواد الشرعية والعربية وخصوصية المنهج الأزهري. وهنا يثور سؤال مشروع: هل نحن أمام إصلاح تعليمي حقيقي، أم أمام تجربة تحتاج إلى مزيد من التروي؟


الإنصاف يقتضي ألا نرفض الفكرة لمجرد أنها جديدة، كما لا يجوز أن نمنحها صك النجاح قبل أن تخضع لاختبار الواقع. فالتعليم ليس ميدانًا للتجارب غير المحسوبة، لكنه أيضًا لا يحتمل الجمود في عالم يتغير كل يوم.


أنصار البكالوريا يرون أنها تخفف العبء عن الطالب، وتقلل عدد المواد، وتوزع التقييم على أكثر من فرصة، وتبتعد عن مصير الطالب الذي تحدده ساعات قليلة في امتحان واحد. وهذه أهداف نبيلة إذا أحسن تنفيذها، بل إن كثيرًا من النظم التعليمية المتقدمة تعتمد التقييم التراكمي وتعدد فرص القياس.


لكن في المقابل، تبرز تساؤلات لا يجوز تجاهلها. هل يؤدي تقليل عدد المواد إلى بناء أعمق للمعرفة، أم إلى تضييق الثقافة العامة؟ وهل يسمح نظام الاختيارات للطالب بتكوين قاعدة علمية متماسكة، أم قد يخرجه إلى الجامعة وهو لم يدرس بعض العلوم الأساسية التي يحتاج إليها لاحقًا؟ وهل ستكون فرص التحسين وسيلة لتحقيق العدالة، أم أنها ستمنح أصحاب القدرة المالية ميزة إضافية إذا ارتبطت برسوم متكررة؟


أما في الأزهر، فإن المسألة أكثر حساسية؛ لأن التعليم الأزهري ليس مجرد مسارات أكاديمية، بل يحمل رسالة علمية ودينية امتدت لأكثر من ألف عام. ومن ثم فإن أي تطوير ينبغي أن يحافظ على هذا التوازن الدقيق بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، وهو ما أكده الأزهر في بيانه الرسمي عندما شدد على عدم المساس بالمواد الشرعية والعربية، مع وضع ضوابط خاصة لتطبيق النظام الجديد.


وربما كان من الأفضل أن تُجرى دراسة تقويمية مستقلة بعد عام أو عامين من التطبيق، تقيس أثر النظام على التحصيل العلمي، ومستوى التفكير، والضغوط النفسية، وعدالة فرص الالتحاق بالجامعات، قبل إصدار أحكام نهائية بالنجاح أو الفشل. فالإصلاح التعليمي لا يقاس بحسن النوايا، وإنما بنتائجه على أرض الواقع.


لقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وهما أصلان عظيمان في التعامل مع كل قضية عامة؛ فلا التهويل يغني عن الدليل، ولا التفاؤل وحده يصنع النجاح.


إن مصر تحتاج إلى تعليم يخرج إنسانًا قادرًا على التفكير، لا مجرد حافظ للمعلومات، كما تحتاج إلى نظام يحقق تكافؤ الفرص ويحفظ هوية الأمة في الوقت نفسه. وإذا كان نظام البكالوريا قادرًا على تحقيق هذه الغاية فسيكون إضافة مرحبًا بها، أما إذا كشفت التجربة عن ثغرات أو آثار سلبية، فإن الشجاعة تقتضي المراجعة والتصحيح، لا المكابرة ولا التمسك بالأخطاء.

فالرهان الحقيقي ليس على اسم النظام، وإنما على جودة المناهج، وكفاءة المعلم، وعدالة التقويم، وحسن التنفيذ. وهذه هي المعايير التي ينبغي أن نحاكم إليها أي إصلاح تعليمي، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من المصلحة الوطنية التي لا يختلف عليها اثنان.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق