حسن القلا ونداهة التعليم (2)

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حسن القلا ونداهة التعليم (2), اليوم الجمعة 31 يوليو 2026 03:50 مساءً

في اللحظة التي يواجه فيها المقاتل عدوه تصير المسافة بين الذات البشرية والذات الوطنية شبه صفر، في تلك اللحظة يتلاشى النفاق ويواجه المرء مصيرا لا يحتمل إلا الصدق، وفي تلك اللحظات الرهيبة يظهر المعدن الإنساني على حقيقته، مستمدا واقعه من تلك البيئة التي تربى فيها.


تناولنا في مقالنا السابق مسيرة حافلة للدكتور حسن القلا، أحد أهم رجالات الصحة والتعليم في مصر، باعتباره صاحب تجربة فريدة، قلعة تعليمية تمددت من سلسلة مدارس دولية وصولا إلى جامعة بدر التي امتدت لتصل بفروعها إلى قلب الصعيد.


الإنسان ابن بيئته، والدكتورحسن القلا عاش حياة ريفية جدا لا يتجزأ منها، في قلب الدلتا عايش تجربة مفعمة بالتضحية والفداء، أب يسعى ليلا ونهارا من أجل تعليم أولاده، من زراعة الأرض التي يملكها، يٌفلح في بناء الأولاد مشبعين بالقناعة والرضا.


وقبيل تخرجه في كلية الضباط المتخصصين بخمسة عشرا يوما، يجد نفسه واحدا ممن أختارهم القدر ليكونوا أصحاب الانتصار العربي التاريخي الوحيد، يجد القلا نفسه طبيبا مقاتلا بعلمه وأدويته وخبراته في علاج المجروحين والمتألمين والصابرين، على مر الهزيمة النكراء في يونيه 1967م.


وفي مشهد لا يمكن اصطناعه تسقط قذيفة محملة بحقد العدو وضغينة صانعيه على مقربة منه، يسقط الضابط الطبيب في الحفرة العميقة، يخرج ودماء تسيل من ظهره، يسأل الجندي رجب المرافق له عن السبب، يعترف الجندي أنه إنما أراد حمايته فألقى بنفسه عليه ولم يكن يقصد أن يصيبه "بسمكي" بندقيته!


ولماذا يا رجب تلقي بنفسك على ضابط يزاملك في المعركة؟ ولماذا لا تسعى لحماية نفسك قبل التفكير في حماية الضابط؟ يأتي الرد المزلزل.. قال: أردت حمايتك لأنك تعاملنا بكرامة، وبقائك خير من بقائي، فأنت تعالج الجرحى أما أنا فمجرد جندي عادي!


في اللحظة التي كان فيها الموت ينسج خيوطه حول القلا وزميله رجب، يفضل رجب إنقاذ الضابط الذي يعاملهم بكرامة، إنه الدرس الذي ظل عالقا في قلب ووجدان حسن القلا منذ أيام الحرب وحتى اليوم، أي حضارة تلك التي ورثها رجب عن رمسيس وأحمس وكل فراعين البناء والفداء والقدرة.

تنتهي الحرب بانتصار لا يزال يبوح بأسرار عظيمة، ويعود الطبيب إلى عالمه، إلى معمله وإلى غرف العمليات، ويعود رجب إلى أرض طيبة يزرعها بالأمل، ويبنيها بالعمل، ويطرح في كل لحظة نبتة ليست مجرد غذاء للناس، بل روح ووجدان ورمز لا يفهمه إلا من عاش فوق "التبة" وتحت القصف!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق