نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هوس إشعال الحرائق.. اضطراب نفسي نادر يفاقم أزمة حرائق الغابات في فرنسا وسط موجات الحر والجفاف والتغيرات المناخية.. باريس: العامل البشري وراء 90% من الحرائق, اليوم الأحد 9 أغسطس 2026 11:56 صباحاً
تكشف حرائق الغابات القياسية التي اجتاحت فرنسا خلال صيف 2026 عن تداخل معقد بين التغيرات المناخية، وما يتبعها من تنامي ظاهرة الاحتباس الحراري، والعوامل البشرية والاضطرابات السلوكية،؛ بما يجعل تفسير الظاهرة يتجاوز تأثير ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي. فبينما يؤدي الاحترار المناخي إلى إطالة مواسم الجفاف وتهيئة بيئة شديدة القابلية للاشتعال، تشير المعطيات الفرنسية إلى أن العامل البشري يظل حاضرا في غالبية الحرائق، سواء بفعل الإهمال أو الدوافع الذاتية أو الاضطرابات النفسية النادرة، وعلى رأسها هوس إشعال الحرائق.
وبحسب تقرير نشرته جريدة "ليبراسيون" الفرنسية، فإن أزمة الحرائق الحالية تكشف عن دور محتمل للعوامل النفسية والسلوكية إلى جانب الظروف المناخية القاسية؛ حيث أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية اعتقال 420 شخصا للاشتباه في مسؤوليتهم عن إشعال حرائق عمدا أو عن طريق الخطأ، بينهم 166 قاصرا، في وقت سجلت فيه فرنسا هذا العام أكبر أضرار ناجمة عن حرائق الغابات منذ الحرب العالمية الثانية.
وتعيد هذه الأرقام طرح العلاقة بين المناخ والسلوك البشري في تفسير اندلاع الحرائق وانتشارها؛ فالتغير المناخي قد يوفر الظروف المثالية لانتشار النيران، لكنه لا يفسر وحده مصدر الشرارة الأولى، التي قد تكون ناجمة عن إهمال بشري أو فعل متعمد أو اضطراب نفسي يدفع صاحبه إلى إشعال النار، بحيث تبدو أزمة الحرائق في فرنسا نتاجا لتفاعل متشابك بين بيئة مناخية تزداد هشاشة وسلوك بشري قادر على تحويل الشرارة المحدودة إلى كارثة واسعة النطاق.
90 % من حرائق الغابات وراءها البشر
وعلى الرغم من أن التغيرات المناخية تمثل أحد أبرز العوامل التي تهيئ الظروف لاندلاع حرائق الغابات وانتشارها، بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الجفاف نتيجة استمرار حرق الوقود الأحفوري، فإن العامل البشري يظل عنصرا حاسما في إشعالها.
وبحسب "ليبراسيون"، تشير السجلات الفرنسية إلى أن نحو تسعة من كل عشرة حرائق غابات في البلاد ترتبط بأسباب بشرية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يعكس حجم المخاطر الناجمة عن السلوك الفردي في بيئة باتت أكثر هشاشة أمام النيران.
وفي هذا السياق، يبرز "هوس إشعال الحرائق" أو البيرومانيا باعتباره أحد التفسيرات النفسية النادرة لبعض حالات الإشعال المتعمد.
ويصنَّف هذا الاضطراب ضمن اضطرابات التحكم في الاندفاعات، إذ يعاني المصاب به من دافع متكرر وصعب المقاومة لإشعال النيران، لا يرتبط بالضرورة بالرغبة في الانتقام أو تحقيق مكاسب مادية، وإنما قد يكون مرتبطا بالشعور بالراحة أو المتعة عقب اندلاع الحريق.
هوس إشعال الحرائق.. أعراض وأسباب متنوعة
تشمل علامات وأعراض الهوس بإشعال الحرائق معاناة المصاب من رغبة متكررة لا تقاوم في إشعال الحرائق بشكل متكرر، وافتتان شديد بالنار، واهتمام كبير بالأمور المتعلقة بالنار، مثل الأدوات التي تساعد على إشعالها أو الحقائق المتعلقة بالنار، والشعور بتوتر داخلي تحسبا لإشعال النار، وصنع أجهزة حارقة تساعد على إشعال الحرائق، بحسب الموقع الإلكتروني لمركز "كليفلاند كلينيك" الأمريكي الطبي.
ولا يزال السبب الدقيق لاضطراب هوس إشعال الحرائق غير معروف، إلا أن الدراسات تشير إلى احتمال وجود مجموعة من العوامل المتداخلة في نشأته، من بينها الاستعداد الوراثي والتغيرات في كيمياء الدماغ، إلى جانب التوتر والعوامل المرتبطة بالتنشئة والبيئة المحيطة.
كما تطرح بعض الأبحاث أوجه تشابه بين الاضطراب وبعض أنماط الإدمان السلوكي، من حيث صعوبة السيطرة على الدافع والاستمرار في السلوك رغم إدراك عواقبه.
ويرتبط هوس إشعال الحرائق في بعض الحالات باضطرابات نفسية وسلوكية أخرى، من بينها اضطراب المقامرة، الذي يفقد فيه الشخص القدرة على التحكم في الرغبة في المراهنة ويستمر في المقامرة رغم الخسائر المالية وتدهور العلاقات والمشكلات القانونية.
كما تشير الأدبيات الطبية إلى ارتباطه أحيانًا باضطراب تعاطي المخدرات واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وهي حالات قد تزيد من احتمالية ظهور السلوكيات المرتبطة بإشعال الحرائق. ومع ذلك، فإن وجود أحد هذه الاضطرابات لا يعني بالضرورة الإصابة بهوس إشعال الحرائق، إذ يظل هذا الاضطراب نادرًا ومعقدًا ومتعدد العوامل.
وفي تصريحات سابقة، قال الممثل والمخرج الأمريكي الشهير مايكل بي جوردان إنه "كان يعاني من ميل للعبث باعواد الثقاب وإشعال أشياء صغيرة في طفولته بجوار منزل جدته"، وأنه "كان مهووسا ناريا، وجرى علاج هذا السلوك مع التقدم في العمر".
دوافع مختلفة وراء إشعال الحرائق
وفي محاولة لتفسير الدوافع المختلفة وراء إشعال الحرائق، يقسم أستاذ الطب النفسي والسلوك الإدماني في جامعة باريس السابعة، ميشيل ليجويو، المتسببين في الحرائق إلى ثلاث فئات رئيسية تتوزع بين أشخاص يتسببون فيها نتيجة الإهمال، وآخرون تحركهم دوافع مادية أو مصالح مباشرة، مثل السعي للحصول على تعويضات تأمينية، وفئة ثالثة تضم المصابين بهوس إشعال الحرائق.
ويقول ليجويو: إن "هوس إشعال الحرائق" اضطراب نادر وصعب التشخيص، ولا يمثل سوى نسبة محدودة من قضايا الحرائق العمد. ويختلف المصاب بهذا الاضطراب عن الشخص الذي يشعل النار لتحقيق منفعة أو بدافع الانتقام، إذ لا يكون الهدف الأساسي لديه تحقيق مكاسب مادية، وإنما يرتبط الفعل بالمتعة أو الارتياح النفسي الناتج عن مشاهدة الحريق.
ولا تقتصر دوافع الإشعال على هذه الفئات الثلاث بصورة جامدة، إذ تكشف بعض القضايا عن دوافع أكثر تعقيدان وفق المحامية الفرنسية مورييل جيستاس التي تولت الدفاع في عدد من قضايا الحرائق، بحسب موقع عيئة الإذاعة الفرنسية "بي بي سي".
تقول جيستاس: إن بعض رجال الإطفاء المتهمين بإشعال الحرائق ربما كانوا يسعون إلى الظهور في صورة المنقذين بعد اندلاعها، بينما قد تكون الحوافز المالية، بما فيها الأجور الإضافية التي يحصل عليها بعض المتطوعين، عاملا مؤثرا لدى آخرين. وهكذا، تكشف حالات الحرائق المتعمدة عن شبكة متداخلة من الدوافع النفسية والمادية والسلوكية، في وقت تجعل فيه الظروف المناخية القاسية أي شرارة صغيرة قادرة على التحول إلى حريق واسع النطاق.
قضايا تكشف حجم الإشعال المتعمد
تشير جريدة "ليبراسيون" إلى أن تصاعد الحرائق يضع الحكومة الفرنسية أمام انتقادات لا تقتصر على مسؤولية الأفراد، بل تمتد إلى مدى استعداد أجهزة الدولة للتعامل مع حرائق واسعة النطاق؛ حيث أتت النيران هذا الصيف على أكثر من 300 ألف فدان، بينما تستعد فرنسا لموجة حر جديدة قد تزيد من مخاطر اندلاع الحرائق وانتشارها، الأمر الذي يعيد النقاش حول كفاءة إجراءات الوقاية والاستجابة في ظل تغير الظروف المناخية.
وتكشف بعض القضايا القضائية عن حجم الدور الذي يمكن أن يؤديه الإشعال المتعمد في تفاقم الأزمة؛ حيث اتهم شاب يبلغ عمره 23 عاما بإشعال عشرة حرائق عمدا خلال خمسة أيام في منطقة فار جنوب شرقي فرنسا، ويواجه عقوبة قد تصل إلى 15 عاما من السجن وغرامة تتجاوز 173 ألف دولار.
وفي قضية أخرى، صدر حكم بالسجن ثلاث سنوات بحق رجل لإشعاله ثلاثة حرائق في غابة راون-ليتاب بمنطقة فوج، في مؤشر على تشدد السلطات الفرنسية في التعامل مع الأفعال التي قد تحوّل الظروف المناخية الخطرة إلى حرائق واسعة النطاق.
شرارة واحدة تكفي
تشير تصريحات العديد من الخبراء والمسؤولين الفرنسيين إلى أن خطورة العامل البشري في أزمة الحرائق لا ترتبط فقط بالأفعال المتعمدة، بل تمتد إلى سلوكيات تبدو بسيطة في الظروف العادية، لكنها قد تتحول إلى مصدر كارثة في ظل الجفاف الشديد.
ونقلت جريدة "لوموند" عن المدعي العام في بوردو، رينو جودول، أن مجرد إلقاء عقب سيجارة أو إشعال شواء في المناطق المشجرة قد يشكل أساسا لتوجيه تهمة تعريض الأرواح للخطر، إذ يمكن لشرارة محدودة أن تكون كافية لإشعال الغطاء النباتي الجاف.
ويؤكد الضابط الفرنسي المتخصص في التحقيق في قضايا الحرائق، إريك دوفاييه، أن اندلاع الحريق يصبح أكثر سهولة خلال فترات الجفاف، موضحا أن شرارة بسيطة قد تكون كافية لإشعال النيران، فيما قد يلجأ من يتعمدون إضرامها إلى أكثر من وسيلة لضمان انتشارها.


















0 تعليق