نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من الحروب التجارية إلى طفرة التصدير.. يمن الحماقي تكشف لـ "فيتو" لماذا نجحت فيتنام في تحويل أزمات العالم إلى فرص بينما عجزت مصر عن استغلالها, اليوم الاثنين 10 أغسطس 2026 05:12 مساءً
لم تعد التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي مجرد أزمات مؤقتة، بعدما أصبحت الحروب التجارية وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد العالمية عوامل رئيسية في تحديد خريطة الاستثمار والإنتاج والتجارة الدولية، وبينما أدت الصراعات التجارية، خصوصًا خلال فترة ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، إلى اضطراب حركة التجارة والاستثمار عالميًا، تمكنت بعض الدول النامية من تحويل هذه الاضطرابات إلى فرص لتعزيز صناعتها وزيادة صادراتها وجذب استثمارات أجنبية.
فكانت فيتنام واحدة من أبرز النماذج التي نجحت في الاستفادة من هذه التحولات، بعدما عملت على تطوير قدراتها الإنتاجية وتعزيز الصناعات الموجهة للتصدير وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وفي المقابل، لم تتمكن مصر من تحقيق مكاسب مماثلة بالقدر المتوقع، رغم امتلاكها موقعًا جغرافيًا مميزًا، وأسواقًا كبيرة، وعددًا من الاتفاقيات التجارية التي تتيح لها الوصول إلى أسواق متعددة.
وفي حوارها مع «فيتو»، تكشف الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أسباب نجاح التجربة الفيتنامية، والعوامل التي حالت دون استفادة مصر من التحولات التجارية العالمية، وما الذي تحتاجه القاهرة لتحويل الأزمات الدولية إلى فرص حقيقية للنمو.
لماذا نجحت فيتنام في استغلال الحروب التجارية، بينما لم تستطع مصر تحقيق الاستفادة نفسها؟
أجرينا بعض الدراسات حول الحروب التجارية خلال فترة ترامب الأولى، ومدى تأثيرها على الدول النامية، وأظهرت النتائج أن بعض الدول تمكنت من تطوير اقتصادها والاستفادة من هذه الأزمات وتحويلها إلى فرص عظيمة، بينما فشلت دول أخرى في ذلك، وكانت مصر من بينها.
ومن أبرز الدول التي استفادت من هذه الأزمات دولة فيتنام، حيث تمكنت من تحويل المتغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي إلى فرصة لتطوير قدراتها الإنتاجية، وتعزيز الصناعات التصديرية، وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
وما الذي فعلته فيتنام تحديدًا حتى تمكنت من تحويل الأزمة إلى فرصة؟
فيتنام استطاعت تطوير قدراتها الإنتاجية، كما نجحت في تعزيز الصناعات التي تستهدف التصدير، وهو أمر مهم جدًا؛ لأن الاستفادة من التحولات في التجارة العالمية لا تتوقف فقط على امتلاك الأصول أو الاتفاقيات التجارية، وإنما تمتد بشكل أساسي إلى القدرة على الإنتاج والمنافسة.
كما تمكنت فيتنام من جذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما ساعدها بشكل كبير على تخطي الأزمات وتحويلها إلى فرص حقيقية للنمو.
إذن هل يمكن القول إن الاستثمار الأجنبي كان أحد أسرار نجاح التجربة الفيتنامية؟
بالتأكيد، جذب الاستثمارات الأجنبية كان عنصرًا مهمًا في التجربة الفيتنامية، لكن الاستثمار وحده لا يكفي، وإنما المهم هو توجيهه نحو قطاعات إنتاجية وتصديرية قادرة على خلق قيمة مضافة وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد.
وهنا تظهر المشكلة في مصر؛ لأن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات الأجنبية التي تصل إلينا يستهدف السوق المحلي بالأساس، وليس بناء قاعدة إنتاجية قوية تستهدف التصدير والأسواق الخارجية.
لماذا لم تتمكن مصر من جذب الاستثمارات الأجنبية بالطريقة التي حدثت في فيتنام؟
المشكلة الأساسية في مصر تتمثل في ضعف تنافسية الإنتاج. فمصر لديها أسواق كبيرة واتفاقيات تجارية ضمن تكتلات عديدة، ولكن القدرة على النفاذ إلى هذه الأسواق ما زالت ضعيفة جدًا.
وهنا يتضح أن السبب الحقيقي لا يرتبط فقط بالاتفاقيات التجارية، وإنما بعدم الاهتمام بالشكل الكافي بالجوانب الحقيقية للاقتصاد، وعلى رأسها الاستثمار والمناخ الاستثماري والقطاع الخاص وقدرة القطاعات الإنتاجية على المنافسة.
هل المشكلة إذن في الاتفاقيات التجارية أم في قدرة الاقتصاد المصري على الاستفادة منها؟
الاتفاقيات التجارية موجودة، والأسواق موجودة، لكن السؤال هو: هل لدينا القدرة على الإنتاج بالمواصفات والأسعار التي تسمح لنا بالمنافسة والنفاذ إلى هذه الأسواق؟
نحن لدينا فرص كبيرة، ولكن الاستفادة منها تحتاج إلى إصلاحات حقيقية في القطاعات الإنتاجية، وليس فقط إصلاحات مالية.
وما المقصود بذلك؟
الإصلاحات التي أجرتها مصر منذ عام 1991 ركزت بدرجة كبيرة على الإصلاح المالي، بينما لم تحصل الجوانب الحقيقية للاقتصاد على الاهتمام الكافي.
حاولت مصر تحريك قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، ولكن هذه المحاولات لم تحقق النتائج المرجوة بالشكل الكافي.
ولذلك، ما زالت لدينا مشكلة أساسية تتعلق بضعف القدرة الإنتاجية والتنافسية.
لكن مصر لديها صناعات يمكنها المنافسة عالميًا، فلماذا لا تظهر هذه الميزة في أرقام الصادرات؟
بالفعل، هناك صناعات تمتلك فيها مصر ميزة تنافسية كبيرة، ولكن لا يوجد التحفيز والتشجيع الكافي لهذه الصناعات.
فعلى سبيل المثال، نتحدث دائمًا عن قطاع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، ولكن على أرض الواقع لا تتجاوز صادراتنا في هذا المجال نحو 3 مليارات دولار، وهو رقم هزيل جدًا مقارنة بدول أخرى مثل بنجلاديش وفيتنام.
وماذا عن الصناعات الغذائية؟
لدينا أيضًا ميزة كبيرة في الصناعات الغذائية، ولكن إذا نظرنا إلى الصادرات نجد أنها لم تتجاوز نحو 6 مليارات دولار، وهذا أيضًا رقم ضعيف جدًا مقارنة بالإمكانات التي تمتلكها مصر.
وهذان المثالان يعكسان بوضوح عدم قدرتنا على المنافسة بالشكل المطلوب.
هل ضعف التنافسية هو العقبة الأكبر أمام تحويل مصر الأزمات العالمية إلى فرص؟
نعم، لأن الاستفادة من الأزمات العالمية تحتاج إلى اقتصاد قادر على التحرك بسرعة. عندما تحدث أزمة أو حرب تجارية، تتغير سلاسل الإمداد وتبحث الشركات العالمية عن دول بديلة للإنتاج والتصنيع والتصدير.
الدول التي تكون لديها قاعدة صناعية قوية، ومناخ استثماري مناسب، وقدرة على جذب الشركات، تستطيع الاستفادة من هذا التحول.
أما إذا لم تكن لدينا القدرة الإنتاجية والتكنولوجية والمناخ الاستثماري المناسب، فلن نستطيع الاستفادة من الفرصة حتى لو كانت الأسواق العالمية مفتوحة أمامنا.
وماذا عن التكنولوجيا؟ هل أصبحت عنصرًا حاسمًا في المنافسة؟
بالتأكيد، نحن نفتقر إلى استراتيجيات واضحة لنقل التكنولوجيا وتطويرها، وفي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن أدوات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، لا تمتلك مصر وبعض الدول النامية التكنولوجيا الكافية لتعزيز قدراتها التنافسية في الأسواق العالمية.
ومن المفارقات أن عددًا كبيرًا من المصريين موجودون في مختلف أنحاء العالم، ويشاركون في عمليات التطوير التكنولوجي، ولديهم القدرة على القيام بذلك، لكننا لا نمتلك القدر الكافي من الآليات التي تسمح لنا باستثمار هذه الموارد البشرية داخل الاقتصاد المصري.
هل المشكلة في الموارد البشرية نفسها؟
مصر لديها موارد بشرية كبيرة جدًا، ولكن المشكلة أننا لا نستطيع استثمارها بالشكل المناسب، وهو ما ينتج عنه فجوات كبيرة.
نحن بحاجة إلى تطوير هذه الجوانب بشكل كبير، لأن تحريك الاقتصاد لا يعتمد فقط على الأموال، وإنما على الإنسان وقدرته على الإنتاج والابتكار واستخدام التكنولوجيا.
وما الدرس الأهم الذي يمكن أن تتعلمه مصر من التجربة الفيتنامية؟
الدرس الأساسي هو أن الأزمات العالمية لا تتحول تلقائيًا إلى فرص، فالفرصة تحتاج إلى اقتصاد مستعد لاستغلالها، وإلى إنتاج قوي، وصناعة قادرة على المنافسة، واستثمارات موجهة بشكل صحيح، وتكنولوجيا، وقطاع خاص فعال.
مصر تمتلك الكثير من المقومات، سواء من حيث الأسواق أو الموقع أو الاتفاقيات التجارية أو الموارد البشرية، ولكن المطلوب هو تحويل هذه المقومات إلى قدرات إنتاجية حقيقية.
وهل يمكن لمصر أن تكرر تجربة فيتنام مستقبلًا؟
يمكن ذلك، ولكن بشرط إجراء إصلاحات حقيقية في قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وتحسين مناخ الاستثمار، وتشجيع القطاع الخاص، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي تمتلك مصر فيها مزايا تنافسية.
المطلوب ليس فقط أن تكون لدينا أسواق واتفاقيات تجارية، وإنما أن تكون لدينا القدرة على إنتاج سلع وخدمات تستطيع النفاذ إلى هذه الأسواق والمنافسة فيها.
وفي النهاية.. هل الفرصة ما زالت قائمة أمام مصر؟
الفرصة ما زالت موجودة، ولكن الوقت مهم جدًا. لدينا طاقات إنتاجية غير مستغلة، وشركات في القطاع العام يمكن دمجها والاستفادة من طاقتها بالتعاون مع القطاع الخاص، ولدينا طاقات شبابية كبيرة وموارد بشرية قادرة على العمل والتطوير.
المطلوب هو إعادة تقييم الأداء الاقتصادي وتحديد المسار الذي نسير فيه، ثم وضع سياسات واضحة لتحريك الطاقات المعطلة وزيادة الإنتاج والصادرات.
فالعالم يتغير بسرعة، والدول التي تستطيع تطوير قدراتها الإنتاجية واستغلال مواردها البشرية والتكنولوجية ستكون هي الأكثر قدرة على تحويل الأزمات العالمية إلى فرص، بينما ستظل الدول غير القادرة على المنافسة تدفع تكلفة هذه التحولات بدلًا من الاستفادة منها.


















0 تعليق