"نزهة النفوس" في الأزبكية.. حكاية قهوة صنعت نجوم الفن.. أبرزهم منيرة المهدية.. بها مسرح بالداخل وسبقت عصر السوشيال الميديا - النيل نيوز

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"نزهة النفوس" في الأزبكية.. حكاية قهوة صنعت نجوم الفن.. أبرزهم منيرة المهدية.. بها مسرح بالداخل وسبقت عصر السوشيال الميديا - النيل نيوز, اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026 12:02 مساءً

في أحد المتاحف التي تحفظ ذاكرة المسرح والفن المصري، يقف مجسم صغير لقهوة من زمن مختلف تمامًا. طاولات يتجمع حولها الزبائن، شيش، حركة داخل المكان، وواجهة تحمل اسم «نزهة النفوس»، بينما تكشف عبارة صغيرة عن طبيعة المكان: «مسرح بالداخل».

المجسم لا يحفظ شكل قهوة قديمة فحسب، وإنما يحفظ مرحلة كانت فيها القهوة جزءًا من الحياة الفنية نفسها؛ مكانًا يجلس فيه الجمهور أمام الفنان، وتختلط فيه الأغنية بالحديث، والفن بالحياة اليومية، وتتحول فيه شخصية مطرب إلى سبب في شهرة المكان.

لكن ماذا لو لم تختفِ «نزهة النفوس»؟ ماذا لو ظلت أبوابها مفتوحة حتى عام 2026، ونجت من تغيرات القاهرة، وانتقال الفن من المقاهي إلى المسارح ثم السينما والتلفزيون وأخيرًا الهاتف؟

هل كانت ستظل قهوة بالشيشة والطاولات الخشبية؟ أم كانت ستتحول إلى كافيه تراثي يقدم الإسبريسو واللاتيه والموكا والبوبا؟ ومن كان سيجلس إلى طاولاتها اليوم؟ وهل كانت منيرة المهدية، لو عاشت في عصر السوشيال ميديا، ستصبح «ترند»؟

هذه الأسئلة تبدأ من خيال معاصر، لكنها تستند إلى حكاية حقيقية عن قهوة وفنانة كان لهما دور في تاريخ الفن المصري.

6af4dbf399.jpg

من زكية حسن منصور إلى «سلطانة الطرب»

قبل أن تصبح صاحبة لقب «سلطانة الطرب»، كانت منيرة المهدية هي زكية حسن منصور، المولودة عام 1888 وفق المصادر التاريخية الأشهر. نشأت في ظروف أسرية صعبة بعد وفاة والدها وهي صغيرة، وظهرت موهبتها في الغناء مبكرًا، قبل أن تترك الدراسة وتتجه إلى الفن.

بدأت خطواتها الفنية الأولى بعيدًا عن المسارح الكبيرة؛ في عالم المناسبات ومقاهي الغناء والرقص، حيث كان المطرب يواجه الجمهور مباشرة، ويصنع شهرته من صوته وحضوره وقدرته على جذب الناس.

وحين وصلت إلى القاهرة في بدايات القرن العشرين، كان حي الأزبكية واحدًا من أهم مراكز الحياة الفنية والترفيهية في المدينة. هناك بدأت شهرة منيرة تتسع، حتى أصبحت واحدة من أبرز أصوات ذلك الزمن.

ولم يكن طريقها إلى النجومية تقليديًا؛ لم تأتِ من مؤسسة فنية أو دار أوبرا، وإنما من القهوة.

644f41c86a.jpg

1905.. القاهرة تسمع صوت منيرة

منيرة بدأت نشاطها الفني في القاهرة عام 1905 تقريبًا، عندما انتقلت من الشرقية إلى العاصمة بعد أن استمع إليها أحد أصحاب المقاهي وأعجب بصوتها.

كانت الأزبكية وقتها منطقة نابضة بالحركة، تجمع المقاهي والمسارح ودور الترفيه، وأصبحت المقاهي نفسها جزءًا من المشهد الفني. ومن بين الأماكن التي غنت فيها منيرة في بداياتها مقهى محمد فرج، قبل أن يذيع صيتها وتنتقل إلى أماكن أكثر شهرة.

وهنا بدأت القهوة تلعب دورًا مختلفًا في حياتها.

لم تعد مجرد مكان تحصل فيه على أجر مقابل الغناء؛ أصبحت المكان الذي يلتقي فيه صوتها بالجمهور.

99b3741a52.jpg

قبل «نزهة النفوس».. القهوة كانت مسرحًا صغيرًا

 لفهم قصة «نزهة النفوس»، يجب فهم القاهرة التي ظهرت فيها.

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لم تكن الحدود بين المقهى والكازينو والمطعم والمسرح واضحة كما هي اليوم. كانت بعض المقاهي تستضيف مطربين وفرقًا وعروضًا، وتقدم فصولًا غنائية أو هزلية أو شعبية.

وفي الأزبكية تحديدًا، ارتبطت المقاهي بالحركة الفنية التي خرجت منها لاحقًا مسارح ودور سينما شهيرة. قدمت بعض المقاهي عروضًا مسرحية، واحتضنت أخرى الأراجوز وخيال الظل والمواويل والسير الشعبية.

لذلك فإن عبارة «مسرح بالداخل» الموجودة على مجسم «نزهة النفوس» ليست تفصيلة هامشية؛ إنها تختصر طبيعة زمن كان فيه الجمهور لا يحتاج إلى شراء تذكرة لمسرح ضخم حتى يشاهد عرضًا فنيًا.

كان يمكن أن يكون المسرح خلف باب القهوة.

نحو عام 1910.. تولد «نزهة النفوس»

مع اتساع شهرة منيرة المهدية، اتخذت خطوة أكثر جرأة.

f8cafd65f1.jpg

افتتحت في حي الأزبكية مقهى خاصًا بها أطلقت عليه اسم «نزهة النفوس»، بعد أن أصبح لها جمهور واسع يتابعها أينما غنت.

وهنا تغيرت العلاقة بين الفنان والمكان.

لم تعد منيرة مجرد مطربة تعمل في قهوة، بل أصبحت صاحبة مكان يحمل اسمًا اختارته بنفسها.

وسرعان ما اشتهرت القهوة بوجودها، وأصبحت ملتقى لرجال الفن والفكر والسياسة والصحافة والأدباء، إلى جانب شرائح من الوجهاء وكبار الشخصيات.

كان اسم «نزهة النفوس» مرتبطًا بمنيرة، واسم منيرة مرتبطًا بالأزبكية.

ومن هنا بدأت القهوة تتحول إلى أكثر من مكان للغناء؛ أصبحت جزءًا من صورة الحياة الثقافية في القاهرة.

من كانوا رواد «نزهة النفوس»؟

هنا يجب التمييز بين ما يمكن إثباته وما تردده الحكايات الشعبية.

المصادر التاريخية تتفق في وصفها كمكان يجتمع فيه رجال الفن والفكر والسياسة والصحافة والأدباء، كما تذكر روايات صحفية أن كبار السياسيين والأدباء من مصر وبلاد الشام والسودان كانوا يجتمعون فيها.

وهذه التركيبة تكشف أهمية المكان أكثر من مجرد ذكر الأسماء.

فالقهوة كانت نقطة التقاء بين الفنان والجمهور، والصحفي والفنان، والمثقف والسياسي.

كانت الأخبار تنتقل شفهيًا، والآراء تتشكل حول الطاولات، والفنان لا يختبئ خلف شاشة أو حساب إلكتروني؛ كان موجودًا أمام جمهوره.

4f17035b4e.jpg

1914.. الحرب العالمية الأولى تضيق على القهوة

لم تستمر الأمور على حالها. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، صدرت أوامر عسكرية بإغلاق القهاوي والبارات في العاشرة مساءً، وانطبق ذلك على «نزهة النفوس».

كان القرار ضربة مباشرة لنشاط مكان يعتمد على السهر والغناء، لكنه في الوقت نفسه فتح أمام منيرة المهدية بابًا لم تكن تريد فتحه في البداية: المسرح.

قبل ذلك كان عزيز عيد وآخرون قد حاولوا إقناعها بالصعود إلى خشبة المسرح لتعويض غياب الشيخ سلامة حجازي، الذي كان قد مرض وتراجع عن الظهور.

لكن منيرة كانت سعيدة في «نزهة النفوس».

كان جمهورها هناك، ومكانتها هناك، ولم تكن بحاجة في نظرها إلى مغادرة القهوة.

حتى جاءت الظروف التي جعلت الاستمرار فيها أكثر صعوبة.

9702baa1c3.jpg

1915.. من «نزهة النفوس» إلى خشبة المسرح

في عام 1915 دخلت منيرة المهدية مرحلة جديدة عندما قبلت الظهور على المسرح مع فرقة عزيز عيد. لم يكن انتقالًا عاديًا.

فمن مطربة تقف أمام جمهور القهوة، أصبحت ممثلة ومطربة على خشبة المسرح، ثم انفصلت لاحقًا عن فرقة عزيز عيد وأسست فرقتها الخاصة.

قدمت أعمالًا مسرحية غنائية، واستفادت من شهرتها الكبيرة التي تكونت خلال سنوات الغناء أمام الجمهور، حتى أصبحت واحدة من أهم نجمات المسرح الغنائي في مصر.

وبذلك تبدو «نزهة النفوس» كأنها المحطة الأولى في رحلة خرجت منها منيرة إلى مساحة أكبر.

القهوة صنعت جزءًا من شهرتها، والمسرح وسّعها.

bd58112a2c.jpg

من «سلطانة الطرب» إلى نجمة جماهيرية

لم تتوقف رحلة منيرة عند المسرح. أصبحت صاحبة فرقة، وقدمت أعمالًا عديدة، وتعاونت مع أسماء مهمة في الموسيقى والمسرح، وظلت لسنوات واحدة من أبرز الشخصيات الفنية في مصر.

وفي عام 1914 أطلقت عليها الصحافة ألقابًا مثل «فنانة الشعب» و«سلطانة الطرب»، وهو ما يعكس حجم المكانة التي وصلت إليها.

لاحقًا ارتبط اسمها أيضًا بمحطات مهمة في تاريخ الموسيقى والمسرح، من بينها علاقتها بأسماء مثل سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وغيرهما.

لكن نقطة البداية تظل لافتة:

مطربة بدأت من القهوة، ثم أصبحت نجمة مسرح.

fee155b52b.jpg

أين ذهبت «نزهة النفوس»؟

لا توجد، في المصادر التي يمكن الاعتماد عليها، واقعة موثقة بشكل قاطع تحدد تاريخ هدم القهوة أو قرارًا بعينه أدى إلى هدمها.

كما أن تحديد موقعها الحالي بدقة ليس محسومًا في جميع الروايات. فالمصادر تربطها بمنطقة الأزبكية، لكن توجد روايات مختلفة حول موضعها تحديدًا؛ بعضها يربط المكان بنطاق جراج العتبة، وأخرى تشير إلى شارع نجيب الريحاني الحالي.

اختفت «نزهة النفوس» من المشهد، بينما بقي اسمها محفوظًا في كتب تاريخ المسرح والموسيقى، وفي المجسم الذي يعيد تشكيلها داخل المتحف.

وهذا الاختفاء نفسه جزء من تحول أكبر شهدته القاهرة. فالمقاهي التي احتضنت بدايات الفن بدأت تفقد دورها تدريجيًا مع ظهور المسارح المتخصصة، ثم السينما، ثم تطور صناعة الترفيه بأشكالها المختلفة.

43de58fae6.jpg

القهوة لم تعد هي المسرح.

ولو بقيت حتى 2026؟

لو افترضنا أن «نزهة النفوس» نجت من كل هذه التحولات وظلت مفتوحة حتى اليوم، فمن الصعب أن نتخيلها كما كانت قبل أكثر من مئة عام.

ربما كانت ستحتفظ بواجهة تستلهم تاريخها، وصور منيرة المهدية معلقة على الجدران، ومجسم صغير أو صور أرشيفية تروي قصة المكان.

لكن الداخل؟

ربما كانت ماكينة الإسبريسو ستحتل مكانًا بجوار أدوات القهوة القديمة.

القهوة التركي بجوار اللاتيه.

الموكا بجوار مشروب يحمل اسم «السلطانة».

والبوبا بجوار مشروب تقليدي يستعيد روح القاهرة القديمة.

لكن التغيير الحقيقي لن يكون في قائمة المشروبات.

سيكون في الجمهور. من «رواد القهوة» إلى «الفولورز»

في زمن منيرة المهدية، كان الجمهور يأتي إلى القهوة ليستمع إليها مباشرة.

اليوم، يمكن لمغنٍ أن يغني أمام عشرين شخصًا، بينما يصل صوته في اللحظة نفسها إلى عشرات الآلاف عبر الهاتف.

6d11a8a614.jpg

ولو كانت منيرة تعيش في 2026، فمن المشروع تخيل أنها كانت ستستفيد من أدوات عصرها الجديد: حسابات على مواقع التواصل، مقاطع قصيرة، حفلات معلنة إلكترونيًا، بث مباشر، وربما جمهور يتابعها من خارج مصر.

ما نستطيع قوله بثقة هو أن منيرة كانت تمتلك أصلًا ما يحتاجه الفنان لصناعة جماهيرية واسعة: حضور، شخصية قوية، صوت مميز، قدرة على جذب الجمهور، واستعداد لتحويل شهرتها إلى مشروع فني.

وهذه الصفات نفسها هي التي يمكن أن تصنع نجمًا على السوشيال ميديا اليوم.

«مسرح بالداخل».. هل كان سيبقى؟

ربما كانت هذه العبارة هي أكثر ما تغير.

في القهوة القديمة، كان المسرح داخل المكان، والجمهور حوله.

في النسخة المتخيلة لعام 2026، يمكن أن يبقى المسرح موجودًا، لكن الجمهور لن يكون كله في القاعة.

قد يغني مطرب على منصة صغيرة داخل القهوة، بينما يتابعه آلاف الأشخاص عبر «ريلز» أو بث مباشر.

قد تستضيف القهوة حفلات موسيقية صغيرة، أو مواهب شابة، أو أمسيات شعرية، أو تسجيل حلقات بودكاست.

وقد يصبح المسرح الصغير الذي كان يومًا جزءًا من حياة القهوة استوديو محتوى.

هنا تكون المفارقة:

المسرح لم يختفِ، لكنه خرج من القهوة إلى الشاشة.

من الشيشة إلى البوبا.. ماذا تغير فعلًا؟

تغيرت المشروبات.

تغيرت الملابس.

تغيرت الأسعار.

تغير شكل الجمهور.

وتغيرت طريقة الوصول إلى الفنان.

لكن فكرة القهوة باعتبارها مكانًا يجتمع فيه الناس حول الفن لم تختفِ تمامًا.

«نزهة النفوس» تكشف أن المقاهي كانت في لحظة من تاريخ القاهرة أكثر من أماكن للجلوس وشرب المشروبات؛ كانت مساحات اجتماعية وثقافية، ويمكن أن تكون مسرحًا، ومنتدى، ومكانًا لصناعة الشهرة.

منيرة المهدية خرجت من القهوة إلى المسرح، ثم أصبحت واحدة من أهم نجمات الغناء والمسرح في مصر.

ولو بقيت القهوة حتى اليوم، ربما كانت ستضيف إلى اسمها حسابًا على «إنستجرام»، و«ترند» على «تيك توك»، وقائمة مشروبات عصرية، وربما شاشة كبيرة تعرض حفلاتها.

لكن المجسم الصغير يحتفظ بأهم شيء:

«مسرح بالداخل».

عبارة تختصر زمنًا كان الفنان فيه يجلس أمام جمهوره مباشرة، قبل أن يصبح الجمهور مجرد رقم على شاشة.

وربما لهذا السبب تحديدًا تستحق «نزهة النفوس» أن تُروى من جديد؛ ليس باعتبارها قهوة اختفت فقط، وإنما باعتبارها سؤالًا عن كيف تغيرت الطريقة التي نلتقي بها بالفن، وكيف انتقل المسرح من القهوة إلى خشبة المسرح، ومن خشبة المسرح إلى الشاشة، ومن الشاشة إلى الهاتف.

فلو كانت «نزهة النفوس» مفتوحة اليوم، ربما كانت ستقدم الإسبريسو والموكا والبوبا.

لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا كانت ستقدم؟

بل:من كان سيجلس إلى طاولاتها

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق