نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الجوع سلاح حرب، كيف تحوّل 19 مليون سوداني إلى رهائن في أكبر أزمة غذاء بالعالم؟ - النيل نيوز, اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026 02:28 مساءً
قالت هايدي خالد، الباحثة المتخصصة في الشؤون الأفريقية، إن كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن أكثر من 19 مليون سوداني يعانون نقصًا حادًا في الغذاء، في أزمة هي الأكبر عالميًا، لا يعكس مجرد كارثة إنسانية عابرة، بل يكشف عن تحول منهجي للجوع إلى سلاح حرب ممنهج، لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والسياسية للبلاد منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
ملف الغذاء جزء من المنطق الميداني وليس تأثيرًا جانبيًا للصراع
وأوضحت، في تصريحات خاصة لـ«فيتو»، أن هذا الرقم القياسي لا يمكن قراءته بمعزل عن الاستراتيجيات العسكرية للأطراف المتحاربة، حيث أصبح ملف الغذاء جزءًا من المنطق الميداني، وليس مجرد تأثير جانبي للصراع.
لماذا السودان تحديدًا؟
وترى أن تفرد السودان بهذا الرقم القياسي يعود إلى ثلاثة متغيرات استراتيجية:
1- استهداف موسم الزراعة: اندلعت الحرب بالتزامن مع بداية الموسم الزراعي في ولايتي الجزيرة وكردفان – سلة غذاء السودان – مما أدى إلى تدمير البنية الإنتاجية بدرجة كبيرة، وتحويل البلاد من دولة مصدرة للغذاء إلى مستوردة خلال عام واحد.
2- انهيار سلسلة الإمداد: تسبب النزوح القسري لأكثر من 5 ملايين شخص في قطع طرق الإمداد بين المنتجين والأسواق، مع سيطرة الميليشيات على المخازن الاستراتيجية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية.
3- شلل العملة وتوقف الاستيراد: تزامن تراجع قيمة الجنيه مع تجميد الصادرات، مما جعل الحكومة عاجزة عن توفير احتياطيات النقد الأجنبي اللازمة لاستيراد القمح، رغم توافر المواني.
الجوع كاستراتيجية عسكرية.. الانتهاكات الممنهجة
تشير الباحثة إلى أن تقرير البرنامج الأممي يوثق بوضوح تحول الغذاء إلى أداة ضغط مزدوجة:
الوظيفة الأولى: الحصار الانتقائي؛ حيث تمنع الميليشيات وصول الإغاثة إلى مناطق سيطرة الجيش، بينما يحاصر الجيش المناطق الخاضعة للميليشيات، مما يحول كل مدينة إلى جيب محاصر يُستخدم كورقة مساومة في المفاوضات.
الوظيفة الثانية: إعادة التركيبة السكانية؛ إذ تم تهجير المزارعين من ولاية الجزيرة عمدًا خلال موسم الحصاد في ديسمبر 2023، لإفراغ المناطق من سكانها الأصليين وتحويلها إلى مناطق نفوذ عسكري خالص، في مشهد يعيد إنتاج سياسات التغيير الديموغرافي تحت غطاء الحرب.
وتؤكد الباحثة أن هذه الممارسات تنتهك صراحةً قواعد القانون الإنساني الدولي، وتحديدًا اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب.
سيناريوهات المواجهة ومآلات الأزمة
وواصلت حديثها قائلة إن مسار الأزمة مرهون بثلاثة سيناريوهات متداخلة:
السيناريو الأول: الانزلاق إلى مجاعة شاملة (الخطر الأكبر) – إذا استمرت سياسات الحصار ومنع الإغاثة خلال الأشهر الستة المقبلة، فمن المتوقع أن يتضاعف عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد ليصل إلى 4 ملايين طفل، مع تحول النقص الغذائي إلى مجاعة جماعية تودي بحياة مئات الآلاف في دارفور والجزيرة، خاصة مع دخول موسم الجفاف.
السيناريو الثاني: ضغوط دولية تُجبر على فتح ممرات إغاثة (المرجح) – قد تدفع الانتقادات الدولية، خاصة من واشنطن ولندن، الطرفين إلى قبول آلية إنسانية مؤقتة تحت إشراف الأمم المتحدة، لكن هذا المسار سيواجه رفضًا ميدانيًا من الميليشيات التي ترى في الإغاثة تهديدًا لنفوذها، مما يحوّل الملف إلى أزمة تنفيذية موازية.
السيناريو الثالث: تحويل الغذاء إلى عملة سياسية – الأكثر ترجيحًا، وفق قراءة الباحثة، هو أن تصبح المساعدات الغذائية ورقة تفاوض في أي حوار مستقبلي، حيث تُقدّم الإغاثة مقابل اعتراف ضمني بالنفوذ الميداني لكل طرف، وهو ما قد يكرّس حالة التقسيم المؤسسي للسودان، ويحوّل الجوع إلى أداة لترسيم الحدود الجديدة.
تداعيات الأزمة على مستقبل الدولة السودانية
واختتمت الباحثة تصريحها بالتأكيد على أن أزمة الغذاء في السودان ليست وليدة الجفاف أو الفقر الزراعي، بل هي نتاج مباشر لإرادة سياسية متعطشة للسلطة، جعلت من معدة المواطن ساحة حرب. وحتى إذا تم فتح ممرات الإغاثة غدًا، فلن تُحل الأزمة جذريًا، لأن البنية الإنتاجية قد دُمرت عمدًا، والمزارعون نزحوا، والموسم الزراعي ضاع.
وأضافت أن الحل الوحيد يبدأ بوقف إطلاق نار شامل، ثم إعادة بناء منظومة غذائية وطنية من الصفر، وإلا فسيظل السودان مرشحًا لتصدر قوائم المجاعة لعقود قادمة، ليس لعجز دولي، بل لإرادة محلية تتغذى على الجوع كسلاح حرب.


















0 تعليق