لسان السيادة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لسان السيادة, اليوم الخميس 4 يونيو 2026 02:55 صباحاً


ليست اللغة ما تنطق به الدولة، بل ما تفكر به؛ فهي الذاكرة حين تتحول إلى نظام، والهوية حين تصبح ممارسة، والسيادة حين تجد صوتها الحقيقي. لا تتقدم اللغات الكبرى في التاريخ بوفرة مفرداتها فحسب، بل بما تحمله من نفوذ ورؤية ومصالح استراتيجية. ومن ينجح في نشر لغته وتوطينها، لا يوسع قاموسه المعرفي فقط، بل يوسع طريقته الخاصة في تفسير العالم وفرض سرديته على الآخرين.

ولم تكن القوى الكبرى عبر التاريخ غافلة عن هذا السلاح الناعم؛ فحين أسس الكاردينال ريشيليو الأكاديمية الفرنسية عام 1635م، كان يدرك أن حماية اللغة وضبطها هما إحكام مبكر لأركان السلطة. وحين أرسل نابليون جيوشه لغزو أوروبا، كانت الفرنسية تسير جنبا إلى جنب مع العتاد، فلما انسحبت الجيوش بقيت اللغة راسخة في عمق النخب. وحين أنشأ البريطانيون مجلسهم الثقافي عام 1934م، لم تكن الغاية بناء مكتبات عامة، بل صياغة ولاءات فكرية ممتدة.

أما الولايات المتحدة، فقد جعلت لغتها تسافر عابرة للقارات في قوالب السينما، والتقنية، والجامعات، حتى استقرت الإنجليزية في الأذهان كمرادف وحيد للحداثة والفرص المستقبلية. واليوم، تشغل الصين مئات «معاهد كونفوشيوس» حول العالم بإنفاق استثماري ضخم، يعلم الجميع أنه صياغة ذكية للنفوذ وبسط للهيمنة الثقافية.

والمفارقة اللافتة أن العربية كانت يوما في موقع القيادة لا الدفاع؛ ففي القرن العاشر الميلادي، كان العلم والطب يكتبان بلسان الضاد، وكانت حواضر أوروبا تترجم من العربية لا إليها. هذا الاستدعاء ليس نكوصا عاطفيا أو بكاء على أطلال الماضي، بل هو برهان تاريخي على أن للغات دورات صعود وهبوط وأنها ترتبط بقدرة أهلها على إنتاج المعرفة واستثمارها، وأن النهوض ممكن متى ما تضافرت الرؤية بالإرادة المؤسسية. ومن هنا تبرز الأهمية البالغة للسياسة الوطنية للغة العربية في المملكة، بقيادة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، لا بوصفها احتفاء تراثيا عابرا، بل باعتبارها مشروعا سياديا يدمج العربية حية في مفاصل التعليم، والإعلام، والذكاء الاصطناعي، وبيئات الأعمال المعاصرة.

لكن السياسات العظيمة تختبر دائما في التفاصيل الصغيرة واليومية؛ في اسم المبادرة، ولغة الاجتماع الإداري، وواجهة المنصة الرقمية، وهوية المؤتمرات الوطنية. إن كل تنازل لغوي غير مبرر يبدو تفصيلا شكليا، لكنه في الحقيقة يخصم من الرصيد الرمزي والسيادي للدولة. وليست الدعوة إلى تعزيز العربية خصومة مع اللغات العالمية، فالإنجليزية وغيرها جسور حيوية للعبور المعرفي واكتساب العلوم، لكنها جسور للعبور لا للإقامة؛ نخاطب العالم بلغته حين تقتضي المصلحة، لكننا لا نخاطب ذواتنا بلسان مستعار. على المسؤولين اليوم أن يدركوا أن اللغة ركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني الناعم؛ فالدول التي تملك زمام لسانها تصون سلامة سرديتها، ومن يملك سرديته يملك مكانه الفريد والطليعي في هذا العالم.

Abdullah_Yabisi@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق