بين التهديد الأمريكي والرفض الإيراني.. السيناريوهات المحتملة لما بعد «الثامنة مساء»

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​تقف إيران اليوم على حافة هاوية تاريخية غير مسبوقة مع اقتراب المهلة النهائية التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عند الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي. حيث يترقب العالم بقلق بالغ ما ستسفر عنه الساعات القليلة القادمة وسط تهديدات أمريكية صريحة بمحو ما وصفه ترمب بحضارة كاملة إذا لم تستجب طهران لمطالب فتح مضيق هرمز وإنهاء طموحاتها النووية بشكل كامل ونهائي.

​وحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالات أنباء عالمية فإن وتيرة الضربات الجوية والعمليات العسكرية قد تسارعت بشكل دراماتيكي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. إذ ركزت الهجمات الأخيرة بشكل مكثف على تدمير البنية التحتية الحيوية للنقل والخدمات اللوجستية في مختلف الأقاليم الإيرانية، مما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة التنقل الاستراتيجي بين المدن الكبرى والقواعد العسكرية.

العد التنازلي لساعة الصفر في واشنطن

​يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصعيده الخطابي والميداني عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي تصريحاته الصحفية المتلاحقة مؤكداً أن موعد الثامنة مساءً هو الموعد النهائي غير القابل للتمديد. وقد أوضح ترمب في مقابلة هاتفية مع قناة فوكس نيوز أنه لا يسعى لتدمير الشعب الإيراني لكنه لن يسمح ببقاء نظام يهدد أمن العالم ويسعى لامتلاك السلاح النووي مهما كان الثمن المطلوب.

​وتشير التقارير الواردة من البيت الأبيض إلى أن القادة العسكريين قد وضعوا بالفعل خططاً لشن موجة من الضربات الجوية الواسعة التي ستستهدف محطات الطاقة والمنشآت الحيوية في حال انتهت المهلة. حيث يرى ترمب أن الضغط العسكري هو الوسيلة الوحيدة لإجبار القيادة الجديدة في طهران على تقديم تنازلات حقيقية وجوهرية تضمن إعادة فتح الممرات المائية الدولية الحيوية أمام حركة الملاحة العالمية.

​وقد أثارت تهديدات ترمب بمحو الحضارة ردود فعل دولية واسعة حيث حذرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من عواقب استهداف البنية التحتية المدنية التي قد تعتبر جرائم حرب. إلا أن الإدارة الأمريكية الحالية تبدو عازمة على المضي قدماً في خطتها العسكرية معتبرة أن التهديد النووي الإيراني يمثل خطراً وجودياً يتجاوز في أهميته أي اعتبارات قانونية أو دولية تقليدية في هذا الصراع.

دمار يطال الجسور وخطوط السكك الحديدية

​على الصعيد الميداني أعلن الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ سلسلة من الغارات الجوية الدقيقة التي استهدفت ثمانية جسور استراتيجية ومحطات رئيسية للسكك الحديدية في مناطق متفرقة من البلاد. وشملت الأهداف جسراً حيوياً في مدينة كاشان ومحطة قطارات كبرى في مدينة مشهد بالإضافة إلى جسر على الطريق السريع قرب مدينة تبريز شمال غربي البلاد لتعطيل خطوط الإمداد العسكري واللوجيستي.

​وتهدف هذه العمليات العسكرية المنسقة إلى شل قدرة الحرس الثوري على نقل الأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة بين القواعد الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية المنتشرة في عمق الأراضي. وقد أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تحذيرات مباشرة للمواطنين الإيرانيين بضرورة الابتعاد عن كافة مرافق النقل والسكك الحديدية التي تحولت الآن إلى أهداف عسكرية مشروعة حسب التصنيفات الاستخباراتية والأمنية الأخيرة للعمليات الجارية.

​وتصاعدت أعمدة الدخان الكثيفة من مطار مهرآباد في قلب العاصمة طهران إثر استهداف مرافق جوية حيوية وبنى تحتية مرتبطة بسلاح الجو التابع للنظام الإيراني في ساعات الفجر الأولى. كما رصدت صور الأقمار الصناعية دماراً كبيراً في منشآت بتروكيماوية بمدينة شيراز كانت تستخدم لإنتاج مواد تدخل في تصنيع المتفجرات والوقود الصلب للصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي تهدد أمن المنطقة.

خطة "ملحمة الغضب" وتفكيك القدرات العسكرية

​تعد عملية ملحمة الغضب التي انطلقت في أواخر فبراير الماضي أضخم حملة عسكرية جوية تشهدها المنطقة في العصر الحديث حيث استهدفت حتى الآن أكثر من ثلاثة عشر ألف هدف. وبحسب بيانات القيادة المركزية الأمريكية فإن الهجمات ركزت على تدمير مراكز القيادة والسيطرة ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة بالإضافة إلى تحطيم القوة البحرية الإيرانية التي كانت تعترض السفن التجارية في مياه الخليج.

​وقد أدت هذه الحملة الجوية المكثفة إلى تدمير مائة وخمس وخمسين قطعة بحرية إيرانية بين فرقاطات وزوارق صواريخ سريعة كانت تمثل العمود الفقري للتهديدات البحرية في مضيق هرمز. كما نجحت القوات الحليفة في تحييد الغالبية العظمى من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانتحارية التي استخدمتها طهران في هجماتها الانتقامية السابقة ضد القواعد الأمريكية ومصالح الحلفاء في الدول المجاورة والمنطقة.

​وتشير الوثائق العسكرية المسربة إلى أن العملية تهدف في مرحلتها الحالية إلى إحداث تغيير كامل في البنية الأمنية الإقليمية عبر تجريد النظام من كافة أدوات القوة الاستراتيجية. حيث تسعى واشنطن لفرض واقع جديد تكون فيه إيران غير قادرة على تهديد جيرانها أو ابتزاز الاقتصاد العالمي عبر التحكم في ممرات الطاقة الدولية التي تمثل شريان الحياة الرئيسي للعديد من الدول الكبرى والناشئة.

رسائل باكستانية معقدة في اللحظات الأخيرة

​وسط هذه الأجواء المشحونة بالبارود والنيران تبرز التحركات الدبلوماسية التي تقودها باكستان وقطر كمحاولة أخيرة لنزع فتيل الانفجار الشامل قبل بلوغ ساعة الصفر التي حددها البيت الأبيض. وتعمل إسلام آباد كوسيط رئيسي لنقل الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران في ظل انقطاع قنوات الاتصال المباشرة التي توقفت تماماً عقب التهديدات الأخيرة للرئيس ترمب بشأن استهداف البنية التحتية والحضارة الإيرانية.

​وأفادت مصادر دبلوماسية بأن طهران ترفض حتى الآن مقترح وقف إطلاق النار لمدة خمسة وأربعين يوماً وتصر على إنهاء كامل للحرب ورفع فوري لكافة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. وفي المقابل تؤكد واشنطن أن أي اتفاق يجب أن يتضمن فتحاً كاملاً وغير مشروط لمضيق هرمز وتفكيك البرنامج النووي بشكل لا يسمح بإعادة بنائه مستقبلاً تحت أي ظرف أو مسمى سياسي.

​ونقلت قطر رسالة تحذيرية من طهران إلى الولايات المتحدة ودول المنطقة تفيد بأن أي هجوم يستهدف محطات الكهرباء الإيرانية سيواجه برد انتقامي واسع يطال شبكات الطاقة في الإقليم بأكمله. حيث يلوح المسؤولون الإيرانيون بأن خروج الأوضاع عن السيطرة قد يدفع حلفاءهم إلى إغلاق مضيق باب المندب أيضاً مما سيؤدي إلى كارثة اقتصادية عالمية وتوقف كامل لإمدادات النفط والغاز نحو الأسواق الدولية والشركات الكبرى.

خطر الانفجار الشامل في مضيق هرمز

​يظل مضيق هرمز هو الحلقة الأضعف والأخطر في هذا الصراع الجيوسياسي المحتدم حيث تواصل القوات البحرية التابعة للحرس الثوري فرض قيود مشددة على حركة السفن التجارية وحاويات النفط. وقد اتهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو طهران بممارسة أعمال إرهابية دولية عبر استهداف السفن المدنية في المياه الدولية وتهديد سلامة الملاحة البحرية التي تعتبر ملكية عامة للبشرية جمعاء وقانوناً دولياً ملزماً.

​وأشار مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني إلى تعرض أكثر من عشرين سفينة لهجمات مباشرة منذ اندلاع هذه المواجهة العسكرية مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار التأمين البحري وتكاليف الشحن. ويجتمع حالياً مخططون عسكريون من أكثر من ثلاثين دولة في العاصمة البريطانية لندن لبحث خيارات تأمين الملاحة الدولية بالقوة العسكرية في حال فشلت الجهود الدبلوماسية في إعادة فتح المضيق بشكل طبيعي وآمن.

​ويهدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفه بالحصار الأمريكي الجائر مؤكداً أن مضيق هرمز سيكون تحت إدارة سيادية ذكية تخدم المصالح الوطنية. وتدرس لجنة الأمن القومي في البرلمان حالياً مشروع قانون يمنح الجيش صلاحيات واسعة للتحكم في حركة المرور البحري والبيئة الملاحية في المضيق كنوع من الرد الاستراتيجي على الضغوط والتهديدات الأمريكية المتزايدة.

منشآت تحت الأرض وأسلحة خارقة للتحصينات

​في تطور عسكري بارز استخدمت القوات الجوية الأمريكية قاذفات الشبح من طراز بي تو لإسقاط قنابل عملاقة من طراز جي بي يو سبعة وخمسين الملقبة بمدمرة التحصينات على مجمع عسكري سري. ويقع هذا المجمع تحت الأرض في منطقة جبلية وعرة حيث كان يستخدم كمركز حصين لتطوير الأبحاث النووية والقيادة العسكرية العليا التابعة للحرس الثوري في ظروف أمنية مشددة للغاية وسرية تامة.

​وأكد مسؤولون أمريكيون أن هذه الضربة الضخمة أدت إلى تدمير المنشأة بالكامل ومقتل عدد من القادة العسكريين والخبراء التقنيين الذين كانوا يتواجدون في الموقع لحظة الانفجار الكبير الذي هز المنطقة. وتعتبر هذه القنبلة التي تزن ثلاثين ألف رطل السلاح الأقوى في الترسانة التقليدية الأمريكية وهي مصممة خصيصاً لاختراق طبقات الخرسانة المسلحة والصخور الصلبة التي تحمي المنشآت الإيرانية الأكثر أهمية وحساسية من الناحية الاستراتيجية.

​ونشر الرئيس ترمب مقطع فيديو يوثق لحظة الهجوم معلقاً بأن الولايات المتحدة لن تتوانى عن استخدام أقوى الأسلحة لضمان عدم امتلاك نظام طهران للسلاح النووي الذي يهدد استقرار العالم. وتأتي هذه الخطوة كرسالة واضحة بأن المخابئ الحصينة والمنشآت الواقعة في أعماق الجبال لم تعد توفر الحماية اللازمة للقادة العسكريين أو البرامج التسليحية التي تسعى إيران لتطويرها بعيداً عن أعين الرقابة الدولية والمجتمع العالمي.

مستقبل غامض بين التفاوض والدمار الشامل

​مع تضاؤل الساعات المتبقية من المهلة الأمريكية تسود حالة من الترقب المشوب بالحذر في العواصم الكبرى حيث يتأرجح المصير بين التوصل لاتفاق مفاجئ أو الانزلاق نحو حرب شاملة مدمرة. ويرى المحللون السياسيون أن النظام في طهران يواجه أصعب اختباراته التاريخية بعد مقتل المرشد السابق وتولي نجله مجتبى خامنئي السلطة في ظل ضغوط عسكرية واقتصادية واجتماعية داخلية خانقة وغير مسبوقة في تاريخ الجمهورية.

​وتصر القيادة الإيرانية الحالية على لسان نائب الرئيس محمد رضا عارف أن حضارة بلادها التي تمتد لآلاف السنين لن تهتز أمام ما وصفه بالخطابات الهمجية الصادرة من البيت الأبيض. إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تآكل سريع في قدرات الردع العسكرية الإيرانية أمام التفوق الجوي والتقني الساحق للقوات الأمريكية والإسرائيلية التي تطوق البلاد من كافة الجهات والحدود البرية والبحرية والجوية المختلفة.

​إن الساعات القادمة ستحدد بشكل قاطع ملامح النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط فإما أن تخضع إيران للشروط الدولية وتفتح صفحة جديدة من التعاون أو تواجه عاصفة عسكرية عاتية. ويبقى السؤال المطروح في كل محافل السياسة الدولية هو مدى جدية تهديد ترمب بإنهاء حضارة كاملة وهل سيتحول هذا التهديد إلى واقع ملموس يغير وجه المنطقة والعالم إلى الأبد بنهاية هذا اليوم التاريخي المشهود.

أخبار ذات صلة

0 تعليق