البدايات.. وعي يتشكل في شوارع الحياة
في أزقة عين شمس المزدحمة بالحياة، لم تكن الظروف تمنحنا رفاهية الاختيار بين السهل والصعب، لكنها منحتنا ما هو أعمق؛ وعياً مبكراً بأن الطريق الحقيقي لا يعرف الاختصارات، وأن القيمة الحقيقية لا تُصنع تحت أضواء الفلاشات، بل في المساحات الهادئة التي لا يلتفت إليها أحد.
هناك، حيث تختلط البساطة بالتحدي، تشكل إدراكنا لمعنى "الأثر"، فالحضور في وجدان الناس لا يتطلب تصدر المشهد، والعمل من أجل الآخرين لا يشترط أن يُذكر الاسم في كل مناسبة. لم يكن الهدف يوماً أن أتصدر الصورة، بل أن أكون واحداً ممن وضعوا حجراً في أساس البناء.
من "ماذا نريد" إلى "كيف نبني"
مع التحول التاريخي الذي شهدته ثورة 30 يونيو، تغيرت الأسئلة الكبرى. لم يعد السؤال "ماذا نريد؟"، بل أصبح "كيف نتحمل مسؤولية ما أردناه؟".
حينها، انقسمت الطرق بين من يكتفي بالكلام، ومن يختار العمل. كان الانحياز للفعل هو الخيار الأصدق، حيث تُبذل الجهود بعيداً عن الضجيج، وتُقاس القيمة بصدق العمل لا بارتفاع الصوت. فقد علمتنا التجربة أن التمكين ليس قراراً يُوقع أو مقعداً يُشغل، بل هو ثقة يمنحها الشارع، والمصداقية هي العملة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها.
المفارقة المؤلمة.. نجوم الظهور وجنود الأثر
الانخراط في العمل العام كان إيماناً بأن الأثر الحقيقي يصنعه العمل الميداني، والمبادرات التي تلامس حياة الناس، وبناء كيانات شبابية قادرة على فهم الواقع بعيداً عن لغة التقارير.
ومع كل خطوة، برز سؤال ملح: من يستحق الفرصة؟ ولماذا تغيب العدالة أحياناً في توزيعها؟
المفارقة الصادمة أن المعايير لا تنحاز دائماً لمن بنى وأسس، بل قد تميل أحياناً لمن ظهر ولمع.
خلال خمسة عشر عاماً من العمل العام، ظهرت نماذج كفؤة ومخلصة، تستحق مواقع قيادية متقدمة، لكنها فضلت العمل في صمت. لم يكن ذلك ضعفاً، بل التزاماً بالمبدأ، غير أن الخلل في بوصلة الاختيار جعل هذه الكفاءات تتأخر عن مواقعها الطبيعية.
تأخر الفرص.. استثمار وطني معطل
المشكلة الحقيقية ليست في قلة الفرص، بل في تأخرها. فعندما يجد شاب يمتلك رصيداً ميدانياً قوياً نفسه خارج حسابات التمكين، فإنه لا يخسر بقدر ما يربح حرية المبدأ.
إن منح أصحاب الخبرة الميدانية فرصتهم ليس مجرد تكريم، بل استثمار وطني حقيقي. وفي المقابل، فإن تأخر هذه الفرص يضع الإنسان أمام اختبار صعب، بين الاستمرار في الإيمان أو الاستسلام لمرارة التجاهل.
لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن من اختار طريق حب الوطن، لا يملك رفاهية التراجع، لأن جذوره في الشارع أعمق من أن تُقتلع بقرار.
رسالة إلى من يهمه الأمر
دعم الشباب لا يجب أن يبقى مجرد شعارات أو كلمات تُقال في المناسبات. الدعم الحقيقي يبدأ عندما نبحث عن أصحاب "الأثر الصامت"، وننصت لمن عملوا في صمت بعيداً عن الضجيج.
الدولة التي تبني مستقبلها بوعي تدرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في الأسماء الرنانة، بل في الكفاءات المجربة التي أثبتت قدرتها على البناء والعمل.
شهادة جيل.. والأمل المستمر
هذه ليست قصة فرد، بل شهادة جيل كامل اختار العمل في صمت، ولم ينكسر رغم صعوبة الطريق. جيل لم يطلب أكثر من فرصة عادلة لإثبات أن الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج ليُرى.
وفي النهاية، يبقى الإخلاص للوطن هو البوصلة، وتظل خدمة الناس هي الغاية الأسمى، بعيداً عن صراعات المناصب والمكاسب العابرة، لأن الأثر الحقيقي يبقى… حتى وإن جاء متأخراً.
شريف الاسواني













0 تعليق