ناجي العلي.. ريشة من جمر - النيل نيوز

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ناجي العلي.. ريشة من جمر - النيل نيوز, اليوم السبت 29 أغسطس 2026 01:04 مساءً

يقول الأديب العالمي  ميلان كونديرا: "صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان".

 
ولم تكن خطوط الـكاريكاتير في مسيرة ناجي العلي يومًا مجرد مساحة عابرة، بل كانت جبهة قتال متقدمة وسلاحًا فتاكًا في فضح الاستبداد والاحتلال  في زمن التخاذل والانهيارات الكبرى.. 

قرر هذا الفتى القادم من رحم المخيم أن يجعل من ريشته بوصلة للضمير العربي، ومتراسًا يفضح عورات الاحتلال وقمع السلطة، ليثبت بالدم أن الفن الحقيقي لا يُهادن، وأن الصورة  والريشة كما الكلمة هي خط الدفاع الأخير عن الذاكرة في مواجهة النسيان.

 

في قرية الشجرة الجليلية وُلدت الحكاية، وفي مخيم عين الحلوة تشكلت ملامح المأساة. نكبة عام 1948 لم تقتلع ناجي العلي من أرضه فحسب، بل زرعت في روحه غضبًا مقدسًا وذاكرة بصرية تأبى المحو والاستسلام. لم يتشكل وعيه كفنان استثنائي في قاعات الأكاديميات، بل وُلد ونقش على جدران زنازين ثكنات الجيش اللبناني، وبقايا الفحم والطباشير على خيام اللجوء.

 

لقد أدرك مبكرًا أن الفن يجب أن يكون انعكاسًا للوجع وشريانًا من شراينة التى كويت بناره، فابتكر عالما بصريًا محكمًا يقاوم التآكل الأيديولوجي في زمن الاستهلاك الذي طال كل شئ مبكرا.

جاء الرمز الأيقوني (حنظلة) الذي ابدعه في العام 1969، لا ليكون مجرد توقيع على لوحاته، بل ليكون الرقيب الداخلي وصوت حق وسوطًا حادًا.


طفل في العاشرة من عمره، بملابس رثة وقدمين حافيتين، أدار ظهره وعقد يديه بعد حرب 1973 ليعلن رفضه القاطع لمشاريع التسوية والحلول الاستسلامية، كان (حنظلة) يمثل الشاهد الذي لا يموت أبدًا ولن يموت، رافضًا أن يكبر في المنفى، وإلى جانبه وقفت شخصيات كـ"فاطمة" القوية التى لا تستسلم  و"الرجل السمين" الذي جسّد بذاءة القيادات المترهلة والبرجوازية الانتهازية.

 

تجلت أسطورة الفن المقاوم  في أبهى صورها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982 روى لي الصديق الاعلامي عمرو ناصف وقد انضم للمقاومة اللبنانية وهو يدرس الهندسة في بيروت الكثير من الحكايات والقصص عن ناجي العالي الضمير الذي لم ينم أبدًا بينما كانت آلة الحرب تدك العاصمة.. 

 

كان ناجي يواجه القذائف بحبر وُصف بأنه "حامض الفوسفور"، محولًا رسوماته اليومية في جريدة "السفير" وقد شرفت بالكتابة لها قبل 35 عاما  إلى بيان عسكري صباحي يشد من أزر المدافعين والمقاومين عن مابقي من كرامة عربية، في تلك اللوحات، تحول الجندي الإسرائيلي من أسطورة لا تقهر إلى كائن هش ومرتبك أمام إرادة المقاومة وحجارة الأطفال.

 

لكن معركة ناجي لم تكن مع الاحتلال وحده؛ فقد خاض حرب  مفتوحة مع السلطة الرسمية والقيادات الفلسطينية والعربية التى تخاذلت في هذه الحقبة من عمر الصراع.. رافعًا شعاره الأبدي: أنا "متهم بالانحياز، وهي تهمة لا أنفيها، أنا منحاز لمن هم تحت"، رفض العلي بشدة كل الإغراءات لتحويله إلى بوق دعائي رسمي.


لقد انتقد انزلاق القيادات نحو مسارات التفاوض المجتزأة، وبلغ الصدام ذروته حين تجاوز الخطوط الحمراء للسلطة بكشفه فساد الدوائر الضيقة، مما جعله في مرمى النيران المتقاطعة وحوّله إلى هدف في مرمى كثيرين يسعون لاستئصاله ومحوه.

 

هناك راحلون يغيبون فننساهم بعد سويعات من رحيلهم، وهناك آخرون يرحلون ليتحولوا إلى "حاضرين غائبين" تخلدهم الأيام، من هؤلاء ناجي العلي، الذي تحل اليوم السبت الذكرى التاسعة والثلاثون لاستشهاده. 


ورغم مرور 39 عامًا على تلك الرصاصة الغادرة التى اغتالته، لا تزال رائحة سيرته العطرة، وحرارة ريشته باقية، وستبقى أبد الدهر تستفز فينا الوعي وتأبى النسيان.

 

"اللي بدو يكتب عن فلسطين، واللي بدو يرسم عن فلسطين، بدو يعرف حاله ميت.. أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي". بهذه النبوءة القاطعة، لخص ناجي العلي دستور حياته. وفي صيف عام 1987، تحققت النبوءة حين أطلقت رصاصة الغدر في شوارع عاصمة الضباب لندن لتخترق رقبته وتسكت جسده. 

لكن تلك الرصاصة منحت (حنظلة) خلودًا أبديًا لا تستطيع كل أسلحة الأرض محوه. رحل قاضي التحقيق الذي اختاره الفقراء، وبقي طفله حنظلة  متمردًا، عاقدًا يديه خلف ظهره، يترقب لحظة العودة بلا يأس.. باع من باع، وتخلى من تخلى.. ولكن سيبقى حنظلة خنجرًا في ظهر الخانعين والمستسلمين ومدافعًا عن الأحرار في كل مكان..
عاش حنظلة.. والخلود للشهيد ناجي العلي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق