نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السعودية وتصفير أزمات المنطقة, اليوم الأحد 24 مايو 2026 12:22 صباحاً
السعودية حاولت ولا تزال، التصدي لأي صدام قد يندلع بوقت غير معلوم. كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام؛ أنه أوقف هجوما ضد إيران، احتراما لطلب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقطر والإمارات.
بصراحة منحت تلك الخطوة مجالا للحوار والدبلوماسية، وجنت ثمارها بالفعل. فقد خرج ترامب بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، وأشار إلى انفراجة في المحادثات مع الإيرانيين. أو كما قال "تحقق تطور إيجابي للغاية".
السؤال: ما مصلحة المملكة والخليج في إبعاد الدولة التي أمطرت جيرانها بوابل من المسيرات والصواريخ، بعد اشتعال الفتيل بينها وبين أمريكا وإسرائيل عن الحرب؟
الحقيقة الجواب يحتمل رأيين، الأول: هناك من يتصور أن عودة الحال لما كان عليه، ستحد من برنامج إيران النووي، وتقف أمام نفوذها الإقليمي وتضعف شبكة حلفائها، وتمنع تطوير صواريخها الباليستية. ذلك فيه كثير من الواقعية، لكنه يفتقد لقبول وتأييد أصحاب القناعات المؤثرة على رسم السياسات بمفهومها العام.
الرأي الثاني يميل أكثر لبعد النظر والعمق الاستراتيجي، ويرى أن التصعيد ليس بمصلحة أحد، كيف؟ تجد شريحة فاعلة، أن كلفة أي حرب ستكون مرتفعة جدا، لا سيما أنها تحتمل خطر التوسع الإقليمي، وذا يصعب أن يكون بمعزل عن امتلاك الحرس الثوري أدوات رد متعددة، مباشرة عبره؛ وغير مباشرة من خلال ميليشياته وأذرعته المأجورة.
وهذا النوع من تعدد التكتيكات يصعب احتواؤه، إلا في حال الانضمام إلى تلك المواجهة. وهنا تحقيق لرغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي سعى جاهدا لجر وتوريط دول الخليج بمخططاته، لكنه اصطدم بحكمتها وصبرها الاستراتيجي.
من جانب آخر يأخذ أصحاب الرؤية السابقة باعتبارهم الأضرار الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، وعدم الاستقرار الأمني والأثر الإنساني والاجتماعي، الذي قد يصل إلى تصاعد الاستقطاب السياسي والطائفي، في منطقة ذات تركيبة ديموغرافية معقدة.
ثم وذا الأهم؛ أن لدى دول الخليج مشاريع نهضوية، ونشوء أي اضطرابات بمحاذاتها، دون شك سيكون له آثار محسوسة وغير محسوسة، من شأنها إرباك تلك الأفكار التنموية على أقل تقدير.
أعود للدور السعودي.. هل توقف عند هذا الحد، واكتفى بإبداء رغبته بالابتعاد عن عودة ضرب إيران مجددا لسيد البيت الأبيض؟
حسب ما أفهم لا، لماذا؟ لأن تلك الإرادة تندرج ضمن جهود سابقه، أبرزها محاولة المملكة، ثني واشنطن عن الحرب قبل بدايتها، لكن اللوبيات الإسرائيلية المتنفذة لعبت أدوارا أثرت على دوائر صناعة القرار الأمريكية، وانتهت بتشكيل رأي عام سياسي منحاز للتطرف اليهودي ممثلا بحكومة نتنياهو.
ورغم ذلك، لم تصب بإحباط، بدليل أنها عملت على التنسيق مع الجانب الباكستاني، بل ودفعته لأن يقدم نفسه وسيطا دوليا لحلحلة الأزمة بين طهران وواشنطن، بعد تهميش الأخيرة لتل أبيب، ما أن أخذت الأمور منحى سياسيا لا عسكريا.
أجزم أنه يستحيل تقدم إسلام أباد على خطوة كهذه، دون غطاء سياسي من الرياض، طبقا للتحالف الاستراتيجي بين العاصمتين. وبالمناسبة لا يعني أن باكستان أداة سهلة يستطيع أيا كان تحريكها وتوظيفها كيف ما يشاء. إنما تفترض قواعد وأسس علاقة البلدين؛ مساحة كبرى من المرونة وتطابق الرؤى المبنية على مصالح بعيدة المدى.
على كل حال، أعتقد أن السياسة السعودية أثبتت للعالم أجمع قناعتين. الأولى: حرصها على صناعة السلام؛ بعيدا عن أن إيران غريم تقليدي لها. الثانية: الدهاء السياسي، وهذا يمكن فهمه بالنظر إلى نجاحها بإسقاط المارد القابع في تل أبيب، بفخ مؤامراته القذرة هو ومن يسير في فلكه، وقد تأكد بما لا يدع للشك مجال، أن تعميم الفوضى ضمن أهم أهدافه، للتوغل في منطقة تلفظه سياسيا واجتماعيا، ويستحيل أن تراه أكثر من محتل مغتصب، لأراض لا حق له فيها لا هو ولا أسلافه السابقون.
إن الواقعية السياسية السعودية، التي استطاعت كسر النمطية السائدة، من الاكتفاء بردود الفعل، لصناعة الواقع نفسه وفرضه على الساحة الدولية، جنبت المنطقة انفجارا لا تحمد عقباه، بل إنها قامت بمهام مناطة بمنظمات دولية، مكبلة بنرجسية سياسية، ساقت مسؤوليها لقناعة خالصة، مفادها أن إصدار بيانات الشجب والاستنكار والمطالبة بالتهدئة، هو السقف الأعلى المتاح والمتوفر، دون اكتراث بلهيب النيران، التي التهمت البشر والحجر، خوفا من نظرية أحادية القطب، المتحكمة بالأرض ومن عليها، بالفرعنة وقوة السلاح.
أستطيع القول؛ إن الرياض شاء من شاء وأبى من أبى، طوق نجاة على نطاق واسع يتخطى الحدود. لأن صانع قرارها يعمل بصمت. لا يحبذ الأضواء وبهرجة الإعلام. يحمل بجعبته كثيرا من العناوين.
أهمها رفض القتل، وإزهاق الأرواح، واللجوء للحديد والنار.. وتصفير أزمات المنطقة.












0 تعليق