نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سياسات تسعير الأدوية والأغذية الصحية, اليوم الأربعاء 1 أبريل 2026 10:40 مساءً
تسعير الأدوية والمنتجات الصحية والغذائية ليس مجرد قرار مالي بسيط، بل هو نقطة التقاء بين ثلاث مصالح متعارضة أحيانا: مريض يريد دواء بسعر يمكن تحمله، وشركة دوائية تريد استرداد تكاليف البحث والتطوير وتحقيق ربح، وقطاع حكومي يحاول ضبط الإنفاق الصحي حتى يبقى النظام مستداما لعشرات السنين. لذلك ترى أن هذه القضية من أكثر الملفات حساسية في أي نظام صحي، مهما اختلفت ثقافة البلد أو مستوى دخله.
في المملكة العربية السعودية، تتولى الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودي بالتنسيق مع جهات أخرى مسؤولية تنظيم أسعار الأدوية. الفلسفة الأساسية هنا تقوم على منع المبالغة في الأسعار، مع الحفاظ على سوق دوائي صحي يجذب الشركات ولا يطردها. لا يترك الدواء للتسعير الحر بالكامل، بل يوضع له نطاق سعري من خلال مقارنة سعره في دول مرجعية، والنظر إلى كونه دواء مبتكرا أو جنيسا، وطبيعة المرض الذي يعالجه، وهل يشترى بكميات كبيرة عبر الحكومة (مثل نظم الشراء المركزي) أم يصرف في القطاع الخاص. الفكرة أن يكون السعر «منضبطا» لا «منفلتا»، وفي الوقت نفسه لا يكون خانقا لوجود الشركات.
في الولايات المتحدة الأمريكية، الصورة مختلفة تماما تقريبا. يغلب على سوق الدواء هناك الطابع التجاري الحر، مع تدخل حكومي غير مباشر عبر برامج مثل Medicare وMedicaid وبعض القوانين التي بدأت حديثا تسمح بالتفاوض على أسعار أدوية معينة. الأسعار الظاهرة على الورق هي من الأعلى عالميا، لكن وراء الكواليس توجد خصومات واتفاقيات سرية بين الشركات وشركات إدارة منافع الأدوية وشركات التأمين. الفلسفة الأمريكية التقليدية تقوم على إعطاء مساحة كبيرة لقوى السوق والابتكار، ثم محاولة «تلطيف» النتائج عبر أدوات تنظيمية جزئية، بدل أن تكون الدولة هي من يحدد السعر مباشرة كما في أوروبا.
في أوروبا، تسود في معظم الدول فلسفة التسعير المنظم حكوميا. دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا تعتمد على هيئات متخصصة لتقييم «قيمة» الدواء الجديد: هل يقدم فائدة إضافية حقيقية مقارنة بالعلاجات المتاحة؟ إذا كانت الإجابة نعم، يكون التفاوض على سعر يعكس هذه القيمة؛ وإذا كانت الفائدة محدودة، يكون السعر أقل بكثير أو يرفض تعويض الدواء من التأمين.
كثير من هذه الدول يعتمد مزيجا من التسعير المرجعي الخارجي (مقارنة الأسعار مع دول أخرى) والتسعير الداخلي (مقارنتها بأدوية مشابهة داخل البلد)، مع مفاوضات تفصيلية واتفاقيات تقوم على حجم الاستخدام أو النتائج العلاجية. النتيجة غالبا: أسعار أقل من أمريكا، لكن دخول الدواء إلى السوق قد يتأخر بسبب طول عملية التقييم.
في الصين، تشهد سياسات تسعير الأدوية مرحلة إعادة تشكيل كبيرة. الحكومة تستخدم قوائم وطنية للأدوية يتم التفاوض عليها مركزيا، وتجري مناقصات ضخمة تخفض الأسعار مقابل وعد بحجم مبيعات كبير. المنطق هنا واضح: خفض السعر، وسأعطيك سوقا فيها مئات الملايين من المرضى. بذلك تصبح الصين جذابة للشركات رغم السعر المنخفض لكل عبوة، لأن حجم السوق يعوض فرق السعر. في الوقت نفسه، تبقى هناك أدوية خارج هذه القوائم بأسعار أعلى في القطاع الخاص، لكن الاتجاه العام يميل بقوة إلى الضغط على الأسعار لصالح التغطية الواسعة.
الهند تمثل نموذجا خاصا في الأدوية الجنيسة. هناك قائمة وطنية للأدوية الأساسية التي تضبط أسعارها بشكل صارم، بينما تترك مساحة أوسع للتسعير الحر في الأدوية الأخرى. تاريخيا، اختارت الهند دعم صناعتها المحلية من الأدوية الجنيسة، وتوفير أدوية منخفضة التكلفة لأكبر شريحة ممكنة من السكان، ولهذا ترى أن كثيرا من الأدوية الهندية أرخص بكثير من مثيلاتها في الغرب، سواء استخدمت داخل الهند أو صدرت إلى دول أخرى. في المقابل، أسعار الأدوية المبتكرة المستوردة تبقى أعلى وغالبا ما تكون موضوع مفاوضات خاصة.
في اليابان، التسعير منظم بدقة ضمن نظام تأمين صحي شامل يغطي غالبية السكان. تحدد الحكومة أسعار الأدوية في «قائمة السداد الوطنية»، وتراجعها دوريا، وتقوم أحيانا بتخفيض تلقائي للأسعار عندما تنتشر الأدوية الجنيسة أو ينخفض السعر الفعلي في السوق. تسمح اليابان عادة بسعر أعلى نسبيا للأدوية الجديدة في السنوات الأولى لتشجيع الابتكار، ثم تخفضه تدريجيا للحفاظ على استقرار ميزانية الصحة العامة.
خارج هذه الدول الكبرى، تتنوع النماذج، لكنها تدور غالبا حول محاور متشابهة: دول تعتمد على التسعير المرجعي الخارجي، وأخرى على التسعير الداخلي، وثالثة على المفاوضات المباشرة والخصومات السرية، ودول منخفضة الدخل تعتمد على مناقصات جماعية وتوريد مركزي، أحيانا بدعم من منظمات دولية.
أما بالنسبة للأغذية والمكملات والمنتجات ذات الطابع الغذائي الصحي، فالغالب في معظم الدول أن تسعيرها أقرب إلى السوق الحر، مع رقابة على الاحتكار أو رفع الأسعار بشكل فاحش في الأزمات. في السعودية مثلا، قد تتدخل الحكومة في بعض السلع الغذائية الأساسية لحماية المستهلك وضمان الأمن الغذائي، بينما تترك معظم المنتجات الأخرى للمنافسة بين الشركات ضمن أطر رقابية عامة.
العامل المشترك لكل ما سبق هو مفهوم «القيمة مقابل المال».
لم يعد السؤال «كم يريد المصنع أن يربح؟» فقط، بل «ما القيمة الصحية الحقيقية التي يقدمها هذا الدواء؟ وكم سيوفر من تكاليف على النظام الصحي في المستقبل؟». بناء على ذلك، تحاول الدول تحويل هذه القيمة إلى سعر يمكن تحمله في ضوء ميزانيتها وحجم سوقها.
اختلاف سياسات التسعير بين السعودية وأمريكا وأوروبا والصين والهند واليابان لا يعني أن هناك نموذجا واحدا صحيحا؛ بل يعني أن كل دولة تبحث عن توازنها الخاص بين حماية المريض، وتشجيع الابتكار، وضبط الإنفاق. ومع ذلك، يميل الاتجاه العالمي شيئا فشيئا نحو مزيد من الشفافية، ومزيد من الربط بين السعر والقيمة الفعلية، حتى يصبح الدواء استثمارا صحيا محسوبا، لا عبئا ماليا عشوائيا ولا مصدر ربح بلا حدود.
nabilalhakamy@
















0 تعليق