هل مشاكل الحوكمة تتعلق بنقص اللوائح أم بنقص القيم؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل مشاكل الحوكمة تتعلق بنقص اللوائح أم بنقص القيم؟, اليوم الخميس 30 أبريل 2026 04:21 صباحاً


تظن الكثير من الشركات أن الحوكمة تعني مجموعة من السياسات والنماذج وتقارير الامتثال. لكن ماذا يحدث عندما تمتلك المؤسسة كل هذه اللوائح... ومع ذلك تنهار؟

يعد انهيار شركة Enron الأمريكية للطاقة عام 2001 مثالا واضحا على أن الحوكمة التي لا تدعمها قيم راسخة قد تمنح إحساسا مؤقتا بالاستقرار.. إلا أن هذا الاستقرار يتلاشى سريعا عند أول اختبار حقيقي.

كانت الشركة تعد واحدة من أكبر شركات الطاقة في الولايات المتحدة، وحققت نموا سريعا في التسعينيات، ما جعلها تحظى بثقة واسعة من المستثمرين والأسواق.

لكن خلف هذا النجاح الظاهر، اعتمدت الشركة على ممارسات محاسبية معقدة لإخفاء خسائرها الحقيقية وتحسين صورتها المالية.

ورغم امتلاكها أنظمة امتثال وتقارير رقابية متقدمة في ذلك الوقت، لم تمنع هذه الأنظمة استمرار التلاعب، ما كشف لاحقا عن وجود فجوة بين القواعد المكتوبة والتطبيق الفعلي لها.

ومع مرور الوقت، تراكمت الخسائر غير المعلنة حتى انهارت الشركة في عام 2001، لتتحول إلى واحدة من أكبر الفضائح المالية في تاريخ الشركات الأمريكية، وتفقد آلاف الوظائف ومدخرات المستثمرين.

هذه الحادثة كشفت حقيقة مهمة: اللوائح وحدها لا تحمي المؤسسات.. إذا لم تدعمها قيم أخلاقية تضمن تطبيقها.

أين تفشل الحوكمة؟
العديد من الشركات تمتلك سياسات واضحة للحوكمة، لكنها تواجه فجوة بين ما يكتب وما يمارس.

وتظهر هذه الفجوة عندما:
- تصبح اللوائح مجرد إجراء شكلي
- تكتب السياسات لإرضاء الجهات الرقابية فقط
- تتخذ القرارات بناء على العلاقات لا المبادئ

في هذه الحالات، تتحول الحوكمة إلى ما يشبه مظهرا إداريا، لا نظاما حقيقيا لحماية الشركة.

وهنا المفارقة: كلما زادت اللوائح دون بناء ثقافة أخلاقية.. زادت فرص التحايل عليها.

الفرق بين الامتثال والنزاهة
من أكثر المفاهيم التي يساء فهمها داخل الشركات هو الخلط بين الامتثال والنزاهة، الامتثال يعني الالتزام بالقوانين واللوائح، أما النزاهة فتعني اتخاذ القرار الصحيح.

والفرق بين الاثنين لا يظهر في الأوقات العادية، بل يظهر عندما تواجه الشركة موقفا رماديا، لا يوجد فيه نص واضح يحدد ما يجب فعله.
في هذه اللحظة، الشركة التي تعتمد على الامتثال فقط تتوقف عند حدود القانون، بينما الشركة التي تعتمد على النزاهة تبحث عما هو صحيح... حتى لو لم يكن إلزاميا.

كيف تبنى ثقافة مساءلة حقيقية داخل الشركة؟
أولا: القيادة بالقدوة
الثقافة لا تكتب في اللوائح.. بل ترى في تصرفات القادة.
عندما يرى الموظفون أن القادة يخضعون للمساءلة مثلهم، تتحول الحوكمة من نص مكتوب إلى سلوك يومي.

ثانيا: حماية الاعتراض
الشركات التي تشجع الإبلاغ عن المخالفات وتحمي أصحاب الرأي المختلف تبني بيئة شفافة.

فالموظف الذي يشعر بالأمان للتعبير عن رأيه أو الإبلاغ عن خلل محتمل، يصبح خط الدفاع الأول ضد المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية.

ثالثا: ربط الحوكمة بالأداء... لا بالعقاب فقط
الخطأ الشائع أن تستخدم الحوكمة كأداة للعقاب فقط، الشركات الأكثر نضجا تستخدم الحوكمة كأداة للتعلم والتحسين المستمر.

فالشركة التي تربط الحوكمة بمؤشرات الأداء لا تنظر إلى الأخطاء باعتبارها نهاية المسار، بل باعتبارها بيانات تساعد على تحسين القرارات وتقليل تكرار المخاطر مستقبلا.

إذا كان انهيار شركة انرون الأمريكية مثالا واضحا على عدم فعالية الحوكمة دون قيم، فإن مسيرة شركة SABIC السعودية للصناعات الأساسية تمثل نموذجا عمليا يوضح كيف يمكن للحوكمة القائمة على النزاهة أن تدعم الاستدامة والنمو طويل الأمد.

فمع توسع أعمالها محليا وعالميا، عملت الشركة على تطوير منظومة حوكمة واضحة تعتمد على الإفصاح والشفافية والمساءلة كعناصر أساسية في إدارة أعمالها.

وقد انعكس ذلك في التزام الشركة بنشر تقارير حوكمة سنوية والإفصاح عن ممارساتها، مما أدى إلى تعزيز ثقة المستثمرين والشركاء، ودعم قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والصناعية عبر العقود.

لم يكن هذا النهج مجرد متطلب تنظيمي، بل جزءا من الثقافة المؤسسية التي توجه القرارات اليومية داخل الشركة.

هذا النموذج يوضح أن الحوكمة حين تبنى على النزاهة لا تقتصر على تقليل المخاطر فحسب، بل تسهم في بناء سمعة مستقرة وثقة طويلة الأمد، وهي عناصر تصنع الفارق الحقيقي بين شركة تستمر... وشركة تنهار عند أول اختبار.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق