حين تتكلم الجبال قهوة: البن في جبال جازان بين أصالة الهوية ومنطق السوق

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تتكلم الجبال قهوة: البن في جبال جازان بين أصالة الهوية ومنطق السوق, اليوم الخميس 30 أبريل 2026 04:21 صباحاً


في جبال جازان، لا يزرع البن بوصفه محصولا فحسب، بل يغرس بوصفه معنى. فالشجرة هناك ليست كائنا نباتيا فقط، بل امتداد زمني للإنسان، تتقاطع عند جذورها الذاكرة بالأرض، وتروى أغصانها بعادات وتقاليد لا تدون في الكتب بقدر ما تحفظ في الممارسة اليومية. ولهذا، فإن البن في جبال جازان في صورته الأولى لم يكن سلعة، بل كان تعبيرا عن أصالة: عن الانتماء، وعن العلاقة الحميمة بين الإنسان وموارده، وعن اقتصاد أخلاقي غير معلن تحكمه قيم الكفاية والكرم والهوية.

غير أن الحكايات، حين تخرج من جغرافيتها الضيقة إلى فضاء العالم، تتغير لغتها. مع دخول البن إلى دوائر التنمية المؤسسية، وظهوره في المهرجانات ثم المعارض الدولية، بدأ يتحول تدريجيا من «معنى» إلى «منتج»، ومن «سردية محلية» إلى «قيمة قابلة للتبادل». وهنا، لا يحدث التحول فجأة، بل عبر مسار معقد تتداخل فيه قوى متعددة: الدولة، السوق، المعرفة التقنية، والتطلعات العالمية. وقد أسهمت جهات مثل شركة أرامكو السعودية في تطوير البنية الزراعية وتأهيل المزارعين، وسابك في دعم ممارسات الاستدامة، بينما قامت شركة القهوة السعودية ببناء نماذج حديثة للزراعة والمعالجة والتسويق، فتشكل بذلك إطار جديد يعيد تعريف البن الخولاني السعودي ضمن منظومة اقتصادية أوسع.

لكن السؤال الفلسفي هنا ليس: هل هذا التحول ضروري؟ بل: ماذا يفقد البن حين يصبح سلعة؟
في علم الاجتماع الثقافي، يشار إلى هذه اللحظة بوصفها لحظة التسليع؛ حين يعاد تعريف الشيء مهما كان مشبعا بالمعنى ليقاس بقيمته في السوق. وعند هذه العتبة، يحدث انفصال تدريجي بين الرمز والسعر. فالقهوة التي كانت تقدم بوصفها امتدادا للكرم والهوية، تصبح قابلة للمقارنة في رفوف عالمية مع قهوة أخرى، تقيم بمعايير الطعم، والسعر، والعلامة التجارية. هذا لا يعني بالضرورة ضياع الهوية، لكنه يعني دخولها في مفاوضة مستمرة مع منطق السوق.

العوامل التي تعيد تشكيل الحكاية
يمكن فهم هذا التحول عبر مجموعة من العوامل المتداخلة:
- المأسسة (Institutionalization):
حين تتدخل الدولة والشركات، يعاد تنظيم الإنتاج ضمن معايير، وخطط، ومؤشرات أداء. هذا يعزز الجودة والكفاءة، لكنه قد يحد من العفوية التي كانت جزءا من الأصالة.

- التقييس والمعالجة (Standardization):
دخول تقنيات المعالجة الحديثة يرفع جودة المنتج، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى توحيد الخصائص، بينما تقوم الأصالة غالبا على الاختلاف والتفرد.

- السردية التسويقية (Marketing Narrative):
تتحول القصة من حكاية معيشة إلى رسالة مصاغة تقدم للمستهلك العالمي. وهنا، يعاد اختيار ما يروى وما يخفى، وفق ما يخدم الجاذبية السوقية.

- الطلب العالمي (Global Demand):
حين يرتفع الطلب، يتغير سلوك المنتجين، وقد يدفعون نحو زيادة الإنتاج على حساب بعض الممارسات التقليدية.

- سلسلة القيمة (Value Chain Integration):
انتقال البن من منتج خام إلى منتج معالج ومعبأ ومسوق عالميا يضيف له قيمة اقتصادية، لكنه يدخله أيضا في شبكة علاقات معقدة تتجاوز المزارع الفرد.

- التوتر الخلاق: بين الحفظ والتجديد
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا ينبغي أن يفهم بوصفه صراعا صفريا بين (الأصالة) و(السوق)، بل بوصفه توترا خلاقا. فالتاريخ يخبرنا أن كثيرا من المنتجات التراثية لم تحافظ على وجودها إلا حين وجدت لنفسها مكانا في الاقتصاد الحديث.

السؤال الأعمق إذن ليس: كيف نحمي البن من السوق؟
بل: كيف نجعل السوق يحترم روح البن؟
وهنا تتجلى أهمية السياسات الذكية التي لا تكتفي بتطوير الإنتاج، بل تحمي السردية نفسها: عبر توثيق الممارسات التقليدية، وتعزيز الهوية الجغرافية (Geographical Indication)، وتمكين المزارع بوصفه حاملا للمعرفة، لا مجرد منتج.

أسئلة لا بد أن تطرح
في ضوء هذا التحول، تبرز أسئلة تتجاوز الاقتصاد إلى الفلسفة العملية:
- هل نصدر القهوة بوصفها منتجا فقط، أم بوصفها قصة متكاملة؟
- كيف يمكن تعميم النماذج المتقدمة التي طورتها شركة القهوة السعودية بحيث لا تبقى حكرا على نطاق محدود؟
- هل تبنى العلامة العالمية للبن على معايير السوق وحدها، أم على تميزه الثقافي أيضا؟
- كيف نضمن أن يبقى المزارع شريكا في القيمة، لا مجرد حلقة ضعيفة في سلسلة الإنتاج؟

الخاتمة: اكتمال الحكاية
في النهاية، البن ليس أمام خيار بين أن يبقى كما هو أو أن يتحول، بل أمام تحد أعمق: كيف يتحول دون أن يفقد نفسه.

فالقيمة الحقيقية لا تكمن في أن ينافس العالم فقط، بل في أن يدخل إليه وهو يحمل صوته الخاص لأن القهوة التي تبدأ من جذور عمرها قرون... لا ينبغي أن تنتهي عند سعر على رف.

أخبار ذات صلة

0 تعليق