طريق مسدود.. صمود طهران يقلص خيارات ترامب إلى "مخرج وحيد"

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات معقدة في الصراع الدائر مع إيران، بعدما أثبت الواقع الميداني محدودية الرهان على القوة العسكرية وحدها، وسط صمود إيراني دفع بالمنطقة نحو مواجهة مفتوحة تفتقر لاستراتيجية خروج واضحة.

وعلى الرغم من إعلان واشنطن وتل أبيب تحقيق "انتصارات عسكرية"، إلا أن مراقبين يشيرون إلى غياب مبررات استراتيجية محددة لبدء الصراع، أو أهداف نهائية واضحة لما بعد الحرب. 

وأدى الرد الإيراني "غير المتوقع" إلى انزلاق الشرق الأوسط نحو مواجهة استنزاف لا تلوح نهايتها في الأفق القريب، وفقا لتقرير أورده موقع ذا كونفرزيشن.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، التي انطلقت قبل نحو شهر، افتقرت للفهم العميق لطبيعة النظام الإيراني وقدراته الدفاعية؛ حيث لم يتوقع الجانبان مستوى الجاهزية الذي أظهرته طهران في استهداف القواعد الأمريكية عبر الخليج، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الإسرائيلية.

كما شكل قرار طهران بإغلاق مضيق هرمز، جزئياً أو كلياً، صدمة للاقتصاد العالمي، مسبباً نقصاً حاداً في إمدادات النفط والغاز، وهو ما لم يكن ضمن تقديرات المخططين في واشنطن وتل أبيب الذين راهنوا على أن التفوق الجوي والبحري سيجبر الحكومة الإيرانية على الاستسلام السريع ويحفز تغييراً داخلياً في النظام.

وفي ظل تضاؤل فرص تحقيق حسم عسكري ناجز، بات لزاماً على إدارة ترامب التحول نحو المسار الدبلوماسي كـ "مخرج وحيد" متاح، مع ضرورة ممارسة ضغوط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للامتثال لهذا التوجه الجديد.

جذور الصمود الإيراني

قبل اندلاع المواجهة العسكرية، واجهت الحكومة الإيرانية ضغوطاً محلية حادة وانتقادات دولية واسعة على خلفية تعاملها مع الاحتجاجات الشعبية، بالتزامن مع تراجع نفوذ حلفائها الإقليميين وسقوط النظام في سوريا. 

ورغم حالة عدم الثقة تجاه إدارة ترامب، أبدت طهران مرونة في العودة لطاولة المفاوضات لبحث تسوية لبرنامجها النووي، حيث أشار الوسيط العماني في أواخر فبراير إلى قرب التوصل لاتفاق وشيك.

ومع بدء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، تحولت استراتيجية طهران نحو إظهار قدرة استثنائية على الصمود بنيت على مدار عقود؛ إذ صُمم هيكل الحكم والأمن في إيران ليتحمل غياب القادة، وهو ما أثبته النظام تاريخياً إبان الحرب العراقية ومواجهة حركات المعارضة الداخلية والجهود الأمريكية للاحتواء.

وتستند قدرة الحكومة الإيرانية على البقاء رغم الأزمات المتكررة إلى عدة ركائز أساسية، أبرزها، تبني قطاع من الشيعة لمبادئ الإسلام الثوري، والجمع بين الصرامة الأيديولوجية والمرونة البراغماتية في إدارة الأزمات، وجود جهاز أمني واستخباراتي متمرس يرتبط بقاؤه عضوياً ببقاء النظام.

وبينما تتصاعد الرغبة الشعبية في التغيير الداخلي، يظل الشعور بالهوية الوطنية والتراث الحضاري دافعاً لرفض التدخل الخارجي؛ حيث يُبدي الإيرانيون تمسكاً ببلادهم في مواجهة العدوان والدمار، وهو ما منح النظام مساحة للمناورة رغم عمق الانقسامات الداخلية.

خيارات عسكرية احترافية

ويفسر هذا التوجه حالة الالتفاف الشعبي حول العلم الإيراني، وهو نمط تاريخي يتكرر لدى الإيرانيين عند مواجهة عدوان خارجي. 

وإدراكاً منها للفوارق في القوة النارية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اعتمدت طهران استراتيجية "الدفاع الفسيفسائي" أو الدفاع اللامركزي القائم على الحرب غير المتكافئة، والتي تركز على استهداف نقاط الضعف الأمريكية، مثل القواعد العسكرية في دول الخليج العربي عبر الطائرات المسيرة والصواريخ، بالتوازي مع اعتماد هيكل قيادة لا مركزي يتيح استبدال القادة سريعاً في حال استهدافهم.

وعلى الصعيد الدولي، تلقى النظام دعماً من روسيا والصين من خلال تزويده بتقنيات مزدوجة الاستخدام وعائدات نفطية مستمرة، وسط تقارير تشير إلى تقديم موسكو معلومات استخباراتية حول مواقع الأصول الأمريكية في المنطقة.

ورغم تراجع نفوذ حلفاء إيران الإقليميين، إلا أنهم ما زالوا يمتلكون القدرة على دعم طهران؛ حيث انخرط حزب الله والحوثيون في اليمن بالصراع عبر استهداف إسرائيل، مع احتمال سعي الحوثيين لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر. 

وبحسب المعطيات الحالية، تبدو الحكومة الإيرانية مصممة على منع واشنطن وتل أبيب من تحقيق أي نصر ميداني، مما حول الصراع فعلياً إلى "حرب صبر" طويلة الأمد.

خيار التفاوض الوحيد

لا تزال المدة الزمنية لهذا الصراع غير مؤكدة، في وقت تتقلص فيه فرص الحل الدبلوماسي مع تمسك طهران بمواقفها وغياب التوافق بين واشنطن وتل أبيب حول الأهداف النهائية. ويرى مراقبون أن ترامب قد يكتفي باتفاق يضمن تقييد البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز، مدفوعاً بالتكاليف الباهظة للحرب وتراجع شعبيته مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

وفي المقابل، يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مصمماً على مواصلة العمليات العسكرية بهدف تقويض النظام الإيراني وإضعاف دور طهران كفاعل إقليمي. ومع استبعاد حسم الحرب بالوسائل العسكرية التقليدية، تبرز التسوية التفاوضية كسبيل وحيد للمضي قدماً، مما يضع العبء على عاتق ترامب لإقناع نتنياهو بالتوافق مع الرؤية الأمريكية وإبرام اتفاق شامل.

وخلص محللون استراتيجيون إلى أنه بغض النظر عن السيناريوهات التي قد تنتهي بها المواجهة، فإن قدرة إيران على الصمود وتغيير قواعد الاشتباك تجعلها الطرف المنتصر في هذا الصراع الطويل.

 

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق